النشر في العالم

يأتي دور المهندس إبراهيم المعلم؛ وهو أحد اللاعبين الأساسيين في عالم الثقافة، ليست المصرية والعربية فحسب؛ وإنما على المستوى الدولي أيضًا. وربما من الهام للغاية أن نراه الآن يتحدث إلى عموم من يقرؤون العربية، وبالأخص من يهتمون بالشأن العام الثقافي والسياسي والاجتماعي المحلي عربيًا ومصريًا، وعالميًا أيضًا وبصورة خاصة في هذا الفصل تحديدًا.

يتحدث "المعلم" عن الكثير من القضايا والإشكاليات التي يطرحها عالم النشر مُنطلقًا من قاعدة مرجعية، هي ثقافته العربية ومصريًا أولًا، ومن ثم يستطيع أن يرى من خلالها العالم. فيما يعرج بالرواية على ما مر به من صعوبات، أفراح وأتراح وعلاقة جذرية وحيوية مع مسألة النشر والإبداع في عمومها، ومسألة الكتاب على وجه الخصوص أيضًا. يحاول أن يضع خارطة ولو رمزية لما يجب على العالم اتخذاه من إجراءات من شأنها إعلاء سقوف الحرية والإبداع وتاليًا التلقي ذاته. إذ الإنسان يستحق مساحة كبيرة من الحرية مبدعًا وقارئًا أو متلقيًا للفن باختلاف مشاربه. وهو ما التفتت إليه دول وحكومات العالم الحديث، أو ما يعرف بدول العالم الأول، وهو أول بداية من الثقافة وحدها، من هنا تستطيع –إن أردت- أن تضع أول خطوة في طريق التحضر والبناء الحقيقيين.

ولم يكن الحديث عن الإبداع والنشر، سوى بأن يكون ابتداءً طبيعة الثقافة والكتاب العالميين، ومن ثم الحديث عن حقوق الملكية الفكرية، ثم إلى معرض فرانكفورت الذي يعده علامة هامة في طريق نشر الثقافة وطرق عمل المعارض الدولية، وهو المعرض الذي يحتفي به كثيرًا ويشير إليه باعتباره تجربة رائدة في هذا الشأن. ثم أيضًا يكون حديثه عن النشر الإلكتروني وتجارب المكتبات العامة كضرورة لا مناص عنها، وعن طريق الاهتمام بها وتوفير كل الكتابات الجيدة مجانًا لعموم القراء، وهو ما اتخذته دول كبيرة وأنفقت عليه مليارات الدولارات، رغبة في ثقافة منفتحة متحققة بالفعل

وهو ما يعود بنا إلى نقطة هامة، أي أن كل ذلك يلزمه أولًا دعمًا سياسيًا، وهناك في العالم الحديث وهو ما رآه المعلم من تجارب تستحق التأمل في تعاون مؤسسات بعض الدول بالفعل لتتم عملية التثقيف على المدى الطويل بمنتهى السلاسة والمرونة والرغبة الأصيلة في المنفعة العامة، سوء للمتلقين أو منتجي هذا الفن وهذا الإبداع. وأيضًا يحكي تجربته في منصب نائب رئيس اتحاد الناشرين الدولي، في ضوء ما يلاقيه كرئيس اتحاد الناشرين المصريين وأيضًا رئيس اتحاد الناشرين العرب من صعوبات أو خطوات على طريق الأمل والغد. وأيضًا في ضوء ما يطرح العالم المعاصر نفسه من طرق بديلة عن الكتاب الورقي، سواء الكتاب الرقمي/ الإلكتروني، المقروء أو المسموع، وهي طرق في رأيه لا تحد من قيمة الكتاب الورقي، إذا اعتبرنا أن الهدف على الدوام هو نشر الثقافة والوعي لا جني الأموال فقط. انتهاءً بحديث موجز عما تلاقيه المعارض العربية والكتاب العربي في سياق النشر العالمي، وهو جزء أخير لم يكن سوى بوابة للعبور إلى حديث طويل في الفصول التالية عن حالة النشر العربي واتحاد الناشرين العرب، ومنه إلى مؤسسة الشروق وتجربتها الفريدة سواء فيما يخص الكتاب أو الصحافة والسينما وغيرها.

لعل الصعوبة في رأي "المعلم" تكمن في الالمام بما يعانيه العالم بكل أطيافه وأحلامه ومذاهبه، من عقبات أو معوقات أو خطوات ناجحة وقيمة وتستحق التأمل بطبيعة الحال. بيد أنه لا يتخلى عن الأمل مطلقًا، لا بالأمس القريب وهو يتابع مسيرة مؤسسته تتطور وتطبر يومًا بيوم، ولا وهو يرى العالم يخطو خطوات واسعة في سبيل توفير الكتاب وتحقق المبدعين باختلاف توجهاتهم، أو هكذا يأمل أن يكون الواقع فعلًا! إلا أن سؤال القراءة لم يكن سوى رحلة طويلة بداية من عصر ما قبل الطباعة، أي النقل الشفاهي والحفظ أو انتقال الكتب في شكل مخطوطات بما شكل هذا الأمر جهدًا كبيرًا وصعبًا في توفير عدد كبير من نسخ الكتاب الواحد، فضلًا عن الرغبة في وصوله إلى العالم بالكامل! ومن ثم اختراع الطباعة وانتقال العلوم كتابيًا بشكل مهول؛ وهي الخطوة التي غيرت وجه العالم كليًا. وساهمت بدرجة كبيرة في توفر الكتاب لمن أراد من المواطنين بطول العالم وعرضه! بل ربما يصاب الإنسان بالذعر عندما يقرأ أرقامًا مثل؛ أن فرنسا، أو ألمانيا، أو إنجلترا؛ يمكن أن تنفق على النشر، والقراءة من 2 إلى 6 مليار دولار كل سنة، ويشعر بالذعر أيضًا عندما يعرف أن السوق العربي بأكمله لا يشكل أكثر من 1% من سوق النشر في العالم، وهذا معناه أننا نحتاج إلى الكثير بالفعل، لكي نرسخ لمفهوم القراءة الجادة، الواعية. ومن اللافت أن ذلك لم يحدث بغتة، بل بترتيب واسع وحيلة ورغبة حقيقية في الانتشار ومقاومة الجهل والرجعية ولو بدرجة ما، بغض النظر مؤقتًا عن حجم المعوقات بما فيها تراجع رغبات الحكومات نفسها عن مساعدة شعوبها. وهو ما يجعلنا حتمًا نبدأ من حيث انتهى العالم الحديث في طريقه الطويل لتوفير المعرفة مجانًا لمن أراد، يعني الحديث عن المكتبات العامة، المكتبات العامة بمعناها الحقيقي والواسع. لا مجرد الأبنية المهملة أو الفاخرة والموظفين البائسين! إذ مكتبة عامة ليست كذلك بدون كتب متنوعة وجديدة ومهمة وقيمة وعلى اطلاع دائم بكل ما يصدر فضلًا عن توفيره بدايةً، والمكتبات العامة ليست كذلك بدون قارىء أولًا!

الأمر أن بعض الأرقام الجميلة التي ذكرها المعلم، تفتح الشهية حقيقةً ليقول مزيدًا من أرقامٍ أخرى. حيث الإحصاء الذي قام به اتحاد الناشرين الدولي منذ عدة سنوات، لمبيعات الكتب، يقول أن حجم مبيعات الكتب التي تم بيعها خلال عام واحد وقت صدور هذا التقرير؛ كانت 82000 ألف مليون دولار. أي إثنين وثمانين مليارًا في سنة واحدة، أمريكا الثلث، وأوروبا أقل من الثلث بقليل، وكذلك الصين أقل من الثلث بقليل، ومصر، والعالم العربي، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية مجتمعين أقل من 5%، والعالم العربي كله أقل من 1% كما ذكرت. لدرجة أن أمريكا توفر كتبًا كثيرةً من أجل القارئ كل عام في مكتباتها العامة، بحجة أن القارىء في حاجة إلى كتاب منخفض الثمن، ومن هنا يستطيع أن يطلع ويستعير، أو يبحث في الكتاب مجانًا تمامًا؛ إذ تشتري هذه المكتبات العامة على نفقة كاملة من الحكومة كتبًا بحوالي 15 مليار دولار. هذه الأرقام ولو بدت قديمة بعض الشيء، إلا أنها تعطي مؤشرات حقيقية للغاية، ومخيفة بالنظر لواقعنا العربي بالطبع. ولا يخفى أن هذه الكتب للعرض المجاني فقط، تشتريها المكتبات العامة لأهمية القراءة. ومثل أمريكا نجد أيضًا؛ إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان؛ حيث ينفقون كل عام ما بين 6 إلى 7 مليارات من الدولارات، لشراء كتب للمكتبات العامة، رقم مثل هذا ماذا يفعل؟! يجعل القراء ممن لا يريدون شراء الكتاب، ممن لا يريدون دفع ولو مليم واحد؛ لديه كل الجديد والجيد متوفرًا من دون جهد تقريبًا! عامًا بعد عام، شهرًا بعد شهر، يومًا بعد يوم، كما أنه يتيح أيضًا توجيه حركة المجتمع بدون الحاجة إلى رقابة، وبدون حاجة الحكومة للنشر، وما إلى ذلك، أن كل جديد، وجيد متوفر ببساطة. كما يوجد له قاعدة ثابتة يتم توزيعها لهذه المكتبات، وهذا يضمن توجيه حركة المجتمع نحو التجويد، ونحو التجديد بصفة مستمرة. غير أن "المعلم"ولو شاء أن يقص مسألة النشر في العالم وتجارب المكتبات العامة، إلا أنه يتناول هذه المسألة أيضًا منطلقًا من واقع مصري وعربي في الأساس. ما يستدعي قول أن نقطة الخلاف هنا، هي أن العالم كله، بالإضافة إلى اتحاد الناشرين الدولي قاما بعمل توصيف عما يعنيه معرض على سبيل المثال؛ لأننا هنا في العالم العربي؛ الكلام عندنا يسير على الدوام، يعني أي معرض في أي مدينة صغيرة، فهو يسمي نفسه معرضًا دوليًا، إنما هو مجرد سوق للكتاب، وليس عيبًا أن تقيم سوقًا للكتاب، فما هو الفرق بين المعرض، والسوق؟ المعرض يكون فيه يوم، أو أيام، أو كل وقته مخصص للمحترفين، فمن هم المحترفون؟ وكيف يمكن أن تسهم المعارض الدولية بمعناها الواسع أيضًا بالمساعدة في نقل الثقافات والتلاقح المعرفي، بين أخذ ورد.

من المهم تاليًا إذا أرادت دولة في العالم أيًا كان مكانها الجغرافي وثقافتها، وحالة شعبها، أن تعزم بالفعل على خلق حالة من الحراك الثقافي والحضاري وربما الاقتصادي أيضًا، وأن تجذب الأعين نحوها؛ أن تصنع جسور تمد بها إلى العالم الخارجي ثقافتها ورؤيتها الحضارية ومعنى الوجود والحياة بالنسبة إليها وتساؤلاتها الهامة وتساؤلات شعبها أيضًا، بما فيه معاناته وفرحه وأسئلته الوجودية البسيطة وربما الساذجة. أن تمد هذه الجسور عازمة على مشاركة كل هذا مع الآخر، أيًا كان موقعه الجغرافي ولغته وثقافته المختلفة حتمًا، تحت لواء إنسانية جامعة لا تفرق، لا تلعن الآخر ولا تقصيه عن المشهد، أن يكون الإنسان هامًا وفاعلًا، لكونه إنسان! وبالطبع طبقًا لرؤية "المعلم" والتي تتسق في مجملها مع هذه أيضًا، أن يكون على رأس هذه الجسور السينما، والأغنية، والكتاب؛ هذا مهم استراتيجيًا لكل دولة أو وطن، أو لغة تريد لنفسها الخلود والبقاء. نعم؛ فهذه إحدى أدوات السياسة الخارجية لأي دولة وأهمها. فعندما تصدر ثقافتك، فإن الناس يتقبلون فكرك، ويتقبلون سياستك، وريادتك فعلًا، ليس ادعاءً. وفي الوقت نفسه يعتبر تصدير الثقافة تشجيع لباقي الصادرات الأخرى؛ لأنني عندما أشاهد فيلمًا به قدر كبير من الفن والإبداع والإخلاص لحرية الإبداع وحرية التلقي ولقيم الإنسانية بما هي كذلك؛ حينها أكون على استعداد لتقبل الكثير عن هذا البلد أو ذاك، وأيضًا التفاعل الجاد معه. وهو ما ينعكس في زيادة نسب السياحة على سبيل المثال (المسلسل التركي الذي تم عرضه هنا، زاد بسببه عدد السائحين العرب الذين ذهبوا لتركيا)، أو الرغبة في حوار الثقافات بما يشمل تبادل الرؤى وعقد صفقات ومشاركة على أصعدة متعددة، منها الثقافي والحضاري والاقتصادي وغيره. كما لم يغفل الإشارة إلى أن دور الدولة، أو الحكومة أن تدعم تصدير ثقافتها، ثقافة الكل، وليس فرع خاص قامت هي بصناعته ليتم عن طريق موظف لديها، الثقافة التي يقوم بها وطن بأكمله، الوطن بكل أطيافه وبتعاون كل مؤسساته وصناعه ومبدعيه. أما أن يقام مهرجانًا على أرضك، ولا يكون لك فيلم واحد فيه! هذا أمر مؤسف ومخجل بالطبع! يضيف "المعلم" أن حقوق الملكية الفكرية، أمر لا بد من التوقف كثيرًا عنده، لضمان حقوق الجميع، المؤلف/ الكاتب/ المبدع/ الفنان، والناشر والجميع بما تعني الكلمة. ومن الجيد أن يلتف العالم لهذه النقطة ويهتم بها فعلًا، ليس حمايتها فقط، وإنما لطمئنة كل على حقه المادي والأدبي والفني وخلافه. لأن الفيلم، والأغنية، والكتاب؛ قد يتعرضون للقرصنة وللتزوير بمنتهى السهولة إذا لم تتبنى الدولة سياسات واضحة تدعم حقوق المبدعين والناشرين. وهذا دور الحماية، ودور الحكومة، ولابد أن تضطلع به. كما أن من ضمن حقوق الملكية الفكرية هو حفظ الحق المادي للمؤلفين أو المبدعين بكافة توجهاتهم، طالما أن الدولة تحتاج ما يقدمونه، ومن هنا لا يمكن بحال أن تكون هذه الجهود مجانية أو تطوعية، ولا نقصد الحط من قيمة العمل التطوعي، ولكن إذا أردنا أن نقيم صناعات تعتمد على هذه الجهود، فلا بد أن يكون هناك مقابل مجزي عنها. فإذا أردت تطوير الكتاب المدرسي، والكتاب المدرسي هو محتوى، فلا بد لوزارة التربية والتعليم أن تكون على علم بأن هذا المحتوى لا بد أن يدفع مقابله جيدًا. أما عمل مسابقة ويحصل الرابح على لا شيء! فهذا معناه أن تريد تقديم أحسن المؤلفين، وأحسن رجال التربية، وأحسن الفنانين إلى حتفهم مع الأسف. فما الفائدة من عمل كتاب، يدفع الكاتب مقابل نشره! وهذه المسألة بالطبع ضرب من الخيال بالنسبة للدول الحديثة، صاحبة الثقافة التقدم الحقيقي. لأن نقيض هذا الأمر معناه عدم جدية هذه الحكومة أو تلك، بالإضافة لعدم احترام الملكية الفكرية، ولا المحتوى. من هنا لا يكون ثمة إرادة حقيقية لهذا التطوير، في نفس الوقت عند إنتاج أفلام سينمائية، أو التشجيع عليها، فعلى الحكومة أن تشتري الفيلم بما لا يبخس صانعيه حقهم. هذا إذا أرادت بلدٌ ما أن تنهض وتنتعش. وإذا أردت برهانًا على صحة القول، فانظر إلى أسباب تقدم دول وبلاد بعينها، وأسباب التخلف والتراجع في أخرى.

يتوقف "المعلم" عند هذا الأمر كثيرًا، حيث أن المطبعة ربما تؤدي إلى نشر الجهل أيضًا لا العلم فحسبُ؛ لأنها تنشر أفكار تعادي الحرية وتحد من قيمتها، أو تنشر ما فيه موالاة للأنظمة الحاكمة ويخدم مصالحها بغض النظر عن أي أمر آخر، وهذا لا شك تجهيل متعمد. الحقيقة أن وجود هيئات رقابية يوحي أن هناك حضورًا لفكرة الرقابة ضد أفكار بعينها، تعاديها هذه الهيئات أو تخاصمها، وهو أمر غير مفهوم أحيانًا. أما هذه الرقابة فقد تطورت بعد ذلك، واتخذت أشكالًا متعددة للغاية، هناك الرقابة الإدارية أو السياسية للدولة، هناك الرقابة الدينية التابعة للمؤسسة الدينية، هناك الرقابة المجتمعية، التي تتحدث عن مكارم الأخلاق، وعدم اختراق الأكواد الأخلاقية. أمام ضرورة الرقابة، فإننا نقف أمام ضرورة أخرى، وهي ضرورة ارتفاع سقوف حرية التعبير، والأخيرة تقدم لنا طريقًا أخضر لحياة طيبة وطبيعية. ولحل لهذه المعضلة أشار المعلم إلى عدة أمور هامة. بالأخص وأن هناك في بعض الأوقات يخرج بعض المثقفين يطالبون بحجب بعض الكتب وعدم طباعتها لأنها في رأيهم تكرس للتخلف والرجعية، هذا تناقض كبير ومثير للغاية، لكنه يشير أيضًا إلى ضرورة الحوار المجتمعي لأنه المخرج الوحيد لهذه المعضلة ربما، وهو ما يفرز حلولًا أو يضع من قيمة هذا الكتاب أو ذاك أو يعلي من كتابات أخرى، شرط عدم الحجب، لأن الأصل هو الحرية، طالما أنها لم تتعد على حدود الآخر المستقل بدوره وصاحب السيادة الإنسانية. ويرى أن ذلك يستدعي حالة فيلسوف مثل فولتير؛ فيلسوف ذو مكانة هامة في التاريخ الحديث وله مواقف متناقضة؛ لأنه كما طالب بحرية الفكر وحرية التعبير، قال أيضًا: ربما أكره ما تكتبه؛ لكني أدفع عمري لكي تستمر في كتابته! تزامن هذا في ذات الوقت، مع الموقف من فكرة الطباعة، إذ يسرت وصول أفكار المؤرخين وعلماء الاجتماع إلى جموع الشعب. وهو ما خلق رابطًا جوهريًا بين اختراع الطباعة الحديثة، ووصول الثقافة، والتنوير إلى الجماهير، وإلى جموع الناس، فقبل المطبعة كانت الثقافة والكتب، والقراءة، والمعلومات، وأخبار ما يحدث حول العالم؛ محصورة في نخبة قادرة على نقل الكلام لبعضهم البعض، والتي تستطيع أن تكتب لبعضها البعض. أما المطبعة جعلت الثقافة وأفكار التنوير والمعلومات، والأخبار تصل إلى أكبر عدد من القراء. هذا بالطبع كان خطوة أيضًا بطريقة ما إلى هذه السيولة التي تحدث الآن، من تناقل الأخبار والصور والكتابات بأسرع وقت، وبمجرد ضغطة زر واحد تصل إلى ملايين حول العالم ربما لم يكونوا يعلمون بوجودك سوى من صورة أو منشور على أحد مواقع التواصل المختلفة. لكن هذا حسب رأيه يثير تساؤلًا هامًا، لأن هناك فرصة إذا ما تيسرت فكرة النشر والطباعة أن يكون المضمون متخلفًا، جامحًا، أو رجعيًا! وهنا نأتي للقضية الأهم، حيث بعد المطابع توجد الصحافة التي تساهم بشكل مباشر في مناقشة هذه الأعمال وبيان قيمتها الصفرية إلى أن يهمشها الواقع بالوقت، ثم بعدها تطورت إلى أشكال أخرى من التواصل والصحافة الإلكترونية. أو ربما تدهورت! هنا يبدو أن الصراع لا زال مستمرًا. فولتير قال: ربما أكره رأيك، لكني مستعد أن أدفع عمري؛ لتقوله. لكنه وفي الوقت نفسه غضب وحزن من موقف مفتي الدولة العثمانية، والذي أيده جزء كبير من العالم لصحة موقفه تجاه فرنسا، أما فولتير لم يقبل؛ حيث هناك مشكلة بين الدولة العثمانية وفرنسا؛ لأنه –على حسب وجهة نظر الدولة العثمانية– أن فرنسا شجعت روسيا؛ كي تخون الإتفاق وتدخل بولندا، فحاربتها تركيا. هذا بالطبع بعيد نوعًا ما عن حديثنا، إلا أنه يضع في الإعتبار معايير أخرى للحكم أخلاقيًا وقيميًا. وهو ما نراه لو أسقطنا هذا على الواقع العملي، الحالي. على سبيل المثال فإن اتحاد الناشرين الدولي لديه مشكلة؛ وهو يؤمن بالحق في التعبير، وحرية النشر، وحرية الفكر، إلا أن لديه بعض الحدود. وهناك نتساءل هل دستور كل بلد هو الذي يحكم داخل البلد؛ أم أن مبدأ (الاتحاد) بالحرية مطلق؟ ويضم تحت طائلته الجميع. بالطبع تحدث بعض التناقضات الكاشفة، حسب ما يرى "المعلم". فقد حدثت مناقشة حامية كان طرفًا فيها مع أناس آخرون، إذ يقول البعض في أوروبا أن دساتير بعض الدول والقوانين فيها ظالمة وغير معبرة عن ما تراه الشعوب. بينما وفي ذات الوقت (بفرنسا مثلًا) وطبقًا للقانون؛ لو أنك ناقشت الهولوكوست (المحرقة)؛ يتم سجنك! وهذا ما حدث لـ "روجيه جارودي". إذن؛ هناك في القانون أشياء تحد من الحرية! أن تحترم قانونك. لأن هناك بلاد تعبر الدساتير عن رأيها فعلًا، وهناك بلاد أخرى لا تعبر فيها الدساتير عن رأيها الحقيقي. ويبقى السؤال، كيف ينتظم عمل الدستور بما تراه الشعوب وبما يحكم مصالحها بالفعل؟ في حدود القانون، أم بالخروج عن القانون؟! ما قد توصل إليه إبراهيم المعلم؛ هو أنه لا بد أن تكون في حدود القانون؛ وإلا فالدعوة إذن تكون للفوضى! وفي حدود القوانين والدساتير بكل بلد؛ لا بد أن تكون الحرية مطلقة، لأن ما ينشر ليس فقط رأيًا؛ ما ينشر فيه علم وأخبار وحقائق، ومختلف العلوم، من قانون، وجغرافيا، وتاريخ، وطبيعة، وكيمياء وغيره. وفيه آراء نسبية الصحة بالضرورة، ومن هنا يرى "المعلم" ضرورة احترام القانون، واحترام الرأي المخالف، بما في ذلك احترام لمبدأي الحرية والمساواة وحفاظهما على سيادة ذوات الآخرين واستقلالهم.

لا شك أن هناك بعض العقول التي تجمح أيضًا، وهو المبرر الذي يسوغ لكثيرين سواء أفراد منعزلة، أو حكومات تفرض رأيها ورؤيتها بالقوة أحيانًا، الرغبة في التحكم بالمبدعين أو السيرة على شطط وجموح هذا الإبداع. يضيف "المعلم" أن هذه السيطرة عادة ما تأخذ طرقًا مختلفة. هناك القديم منها ويحدث عن طريق هيئات الرقابة وما شابه، فمثلًا، لكي تؤلف كتابًا، أو تصنع فيلمًا؛ لا بد أن تقدم هذا العمل للرقابة؛ كي توافق عليه، كما أن لكل صحيفة رقيب عتيد! طبعًا هذه الطريقة استشرت كثيرًا في الخمسينات، والستينات حتى منتصف السبعينات. بعد ذلك انطلق العالم بحرية نوعية عن طريق الإنترنت وظهور وسائل أخرى تبعد عن الرقابة بمعناها المباشر. ولتنتبه لأمر ما، وهو أن الدول ذات الحكومات الشمولية أو الدكتاتورية؛ تكره حقوق الملكية الفكرية، لماذا؟ لأن احترام حقوق الملكية الفكرية؛ معناه احترام المبدعين، والباحثين، والمؤلفين، ومبدعي الثقافة، من ناشرين ومنتجي سينما وغيرهم. وعندما تحترم هؤلاء الناس، وتحترم حقوقهم في الإبداع والحرية والعمل المستقل، هذه يعني ببساطة قدرة هذا المبدع أو ذاك الفنان أن يكون مستقلًا وبعيدًا تمامًا عن الرؤية العامة للحكومة، مؤمن فقط بقدرة الفن على التعبير وبحريته الخالصة، ومن هنا لا من الضروري أن يؤيد نظام الحكم القائم في أي بلد، وبطبيعة الحال لن يحتاج إلى عمل دعاية للرئيس، ولا لعائلة الرئيس! أليس هذا صحيحًا، أم لا؟ وهكذا يقول "المعلم" أنه عندما لا تحترم حقوق الملكية الفكرية؛ ستترك من يريد التزوير، ومن يريد القيام بالقرصنة، هذا يشمل تزوير الكتاب والموسيقى والفيلم وغيره. والمحصلة أن كل المبدعين في هذه الصناعات لن يكون له بديلًا غير الحكومة، والحكومة في النهاية؛ هي التي تعطيك الجوائز، وهي التي تقوم بالمشروعات. وفي كلمة واحدة؛ هي التي تسيطر عليك! -حسب ما قال المعلم- وهي التي عندما تقوم بعمل مشروع للقراءة؛ أو تقول: سأنشر لفلان؛ ولن أنشر لفلان! وعندما ترضى حكومة ما عن كتابك ستغض الطرف طبعًا عن أي مقاييس أخرى، سواء كان هذا الكتاب لن يؤتي ثمار نشره أو حتى يساهم في تجهيل من يقرأه لا العكس، وتغض الطرف عن المقاييس الإقتصادية فمهما تكلفت طباعته ومهما كان من حيث الثمن، ربما تبيعه بخسًا! هنا ماذا أفعل؟! أحطم أحدهم لأنه لا يستطيع المنافسة، وأشجع آخر لأنني راضٍ عنه، وهذا أشتري حقوقه، وهذا أجعله يسافر، وأعطيه جوائز، وهكذا. هنا تحل الحكومة محل المجتمع، وبدلًا من أن تقوم بعمل انتعاشة في صناعة السينما؛ تقوم هي بصناعة السينما لحسابها وبما يرضي مقاييسها أو يخدم مصالحها. وهذا ببساطة عكس ما تقوم به حكومات دول العالم الحديث تمامًا، لأن المبدأ الأهم هو التشجيع على الإبداع والحرية، ومن هنا ترى نتائج مذهلة حقيقةً.

يعني أننا "المعلم" يشير في هذه الجزئية إلى كل ما له علاقة بفكرة الكتاب، بما هو كتاب. أي المؤلفين، والناشرين، والأدباء، والوكلاء الأدبيين، ومديري المكتبات، وأيضًا الأساتذة؛ أساتذة الجامعات وغيرهم. والقارىء لأن كل هؤلاء هنا لأجله. كل هؤلاء يأتون بالفعل؛ ليس فقط من أجل تبادل الخبرة، وإنما لعقد الندوات المتخصصة، وليس لعمل ندوة لوزير، أو غيره، أو جائزة للاعب كرة، فهذا أمر، إلا أن يكون هناك كتاب للاعب كرة؛ فليأت كما يشاء! وإذا كان هناك كتاب ما لوزير؛ فليأت الوزير! إذ الكتاب هو الأصل! معرض كتاب، والمعرض يكون عدد للمحترفين، وأهم ما يمكن أن يفعلوه هو أن يتبادلوا شراء، وبيع حقوق الملكية الفكرية، أن تتبادل شراء، وبيع، ماذا تعني؟! فعندما أقوم على سبيل المثال بعمل موسوعة؛ هذه الموسوعة لها مستوى دولي، وبدلًا من أن هذا العمل العلمي، الإبداعي، الإنساني، العالمي؛ أتحمل تكلفته وحدي، مع العلم أن هذه التكلفة تكون كبيرة للغاية، وفي النهاية تكون فائدته محصورة في لغة واحدة، فعندما أبيع حقوق الملكية هذه، يعني أن أتشارك هذه الملكية مع آخرين. وعندما أبيع حقوق الملكية هذه لثلاثين دولة، أو ثلاثين لغة؛ معناه كأن الثلاثين لغة هؤلاء؛ اشتركوا كل منهم بنسبة في تكلفة هذا العلم، والمعرفة، والإبداع، وفي نفس الوقت، إستفادت كل هذه اللغات من الناتج، وقرأوا هذا العمل في نفس الوقت، وهذه من أعلى أنواع التجارة نموًا على مستوى العالم؛ تجارة الملكية الفكرية، وحماية الملكية الفكرية، وهذه من أهم الأشياء في المعارض. ثم تأتي بعد ذلك صفقات البيع، ثم صفقات التوزيع، تبادل الخبرات، تطور الكتاب المدرسي، تطور كتاب الطفل، كل هذا يوجد في المعارض، وهذا هو تعريف المعرض، وفيما عدا ذلك، البيع للجمهور؛ فهذا سوق للكتاب، وهي بالطبع أشياء قيمة ونحترمها لكنها مختلفة، متى يكون المعرض محليًا، أو إقليميًا، أو دوليًا؟ أو هنا متى تقول مصريًا، أو عربيًا، أو أجنبيًا؟! إذا أقمت معرضًا للكتاب، والناشرين المصريين، والقراء المصريين؛ فهذا معرض مصري. وإذا أقمت معرضًا للعالم العربي؛ فهذا معرض عربي، وإذا أردت أن أقيم معرضًا دوليًا؛ فعلى الأقل لا بد أن يكون لدي مئة وخمسين ناشرًا أجنبيًا، وليست سفارات، ومراكز، وهيئات دبلوماسية، والعكس بالعكس طبعًا، يعني أن المعارض الدولية في أوروبا مثلًا، تكون على مدار السنة باختلاف حجمها وأماكنها التي تتوزع على بلدان كثيرة بطول البلاد وعرضرها بغرض تحقيق حراك ثقافي بالفعل، بالإضافة لبداهة أن تشارك دول أخرى بأعداد كتب وناشرين ضخم. أما في المعارض العربية، فهذا أمر محل شك! وقد يتساءل القارىء، هل ما يشاركون هم السفارات؟ نعم، سفارات، ومراكز إعلام، وعدد محدود جدًا من دور نشر صغيرة بالفعل، وهذا أيضًا ليس سيئًا؛ إنما إن أردت أن أقيمه كمعرض دولي؛ فربما علي أن أقيمه معرضًا دوليًا فعلًا ومن الأساس. وبالإضافة لسؤال المكتبات العامة وما يمكن أن تقدمه من مهمات جليلة لخدمة القارىء العام، فهو سؤال ما عدد العناوين الموجودة الآن في العالم؟ يذكر المعلم، أن الدكتور شعبان خليفة، وقف ذات يوم وكان رئيس قسم المكتبات في جامعة عين شمس، في السنة التي أعلنت فيها الحكومة عن نشر ثمانية عشر مليون عنوان؛ قائلًا: إن في العالم كله طبقًا لإحصاء اليونسكو، وبكل اللغات منذ تاريخ الطباعة هو أربعة عشر مليونًا، ففيما يبدو أننا استحضرنا أربعة ملايين من المريخ أو غيره، لماذا يحدث هذا؟ الأمر الذي يثير الريبة أو الدهشة أو كلاهما بالفعل! ولا نذكره من باب التندر، وإلا كانت نكتة ساذجة، لكنه واقعنا مع الأسف، وهو ما يلفت الانتباه أيضًا للطريقة التي يتعامل بها المجتمع الدولي ودول العالم الأول ومنها أمريكا واليابان وإنجلترا وغيرهم، مع الكتاب، أهميته، توفيره، والصدق في طرح البيانات بداهةً!

الحقيقة أن سؤال المكتبات العامة على سبيل المثال يطرح سؤالًا آخر، هل تتعلق هذه الجزئية بتوفر الأموال من أجل الإنفاق على المكتبات والصناعات الإبداعية في عمومها أم يتعلق الأمر بالتشريع والسياسة؟ وحسب ما يرى "المعلم" فإن كل الأمور تتوقف في المبدأ الأول على السياسة، إذا وافقت السياسة وعرفت أهمية هذا الأمر أو لا. ونقصد بالسياسة هنا مجمل القائمين على الشأن السياسي، سواء حكومة أو رئاسة أو معارضة أو مواطنين يساهمون بطريقة أو بأخرى في هذا التفاعل المشترك بين الجميع إن سلبًا أو إيجابًا. يقول أن السياسة شريطة أساسية ليتم تشريع قوانين تخدم صناعة الإبداع وبالتالي يكون هناك ما ينص على إنفاق شريحة معينة وكافية من الموازنة العامة، ليس عن طريق الهبة التي تحدث بشكل عشوائي أو تعتمد على هذا المسئول أو ذاك، وإنما طبقًا لنص القانون، وهو ما يضمن استمرارها في الزمن، سواء مع الحكومة القائمة أو التي تليها وتليها. ما يعني ضرورة أن تعي السياسة وكل رجالاتها أن هناك شيئًا يسمى؛ الصناعات الإبداعية ومكتبات عامة! وبالتالي ستعرف حتمًا أن إبداع الإنسان هو ما يخلق تقدم الأمة ككل، وهو الذي يصنع الرخاء؛ لأن إبداع الإنسان؛ هو معنى الحضارة ومبدأها ومنتهاها في الوقت نفسه. هو ما ينعكس في دول العالم الحديث بأكثر من شكل. منها المساعدة المباشرة للفنانين والكتاب عن طريق الرعاية والجوائز ومنح التفرغ وغيرها. ومنها عن طريق دعم الكتاب نفسه، فمن لا يملك أموال لشراء كتاب؛ تقول له الحكومة ستطلع عليه، وتستعيره مجانًا عن طريق المكتبات العامة. في أمريكا كل سنة؛ حوالي خمسة عشرة مليار دولار؛ ميزانية لإقتناء الكتب في المكتبات العامة، من الميزانية الفيدرالية، غير التبرعات، فما فائدة هذا؟ والعالم كله ما بين اليابان، وإيطاليا، وغيرهم لديهم ميزانيات ضخمة لأمور مشابهة. وتتلخص في رأيه فائدة هذه السياسة أنها؛ أولًا: تساعد من يريد الإطلاع على الكتاب، أن يطلع عليه مجانًا، ومن يريد التواجد يوميًا في المكتبة للإطلاع على كل الكتب ليراها مجانًا يستطيع أن يفعل، ومن يريد استعارة الكتاب يستعيره مجانًا، ومن يريد قراءة ألف كتاب في السنة؛ سيقرأ ألف كتاب في السنة! وفي الوقت نفسه ترشد المجتمع إلى التنوير والعقلانية والمساهمة بشكل مباشر في مواجهة التطرف على سبيل المثال الذي تعاني منه دول كثيرة حول العالم، وتظن أن الحل عسكري على الدوام. من هنا تستطيع تغيير ثقافة المجتمع عن طريق الكتاب الذي يتم توفيره بصدق وفاعلية حقيقية لا مؤتمرات وإدعاءات فارغة من القيمة؛ ببساطة لأنك حين تشتري من كل كتاب قيم، وجديد؛ تغير من حركة المجتمع تأليفًا، وانتاجًا، ونشرًا، وكل شيء يتجه نحو التجديد، والتجويد والثقافة الفاعلة والحقيقية، والتي تحترم وتقدر الإنسان بما هو كذلك. يعني "المعلم" من كل هذا أن الحديث عن المكتبات العامة والصناعات الإبداعية، أنه حديث عن الاستثمار في الإنسان أيضًا، بل إن ذلك يساهم بشكل مباشر في الناتج القومي الإجمالي الخاص بالدول. والاستثمار هنا يعني أنه عندما تقوم حكومة دولة ما بدفع مبلغًا مناسبًا لأشياء كهذه، فإنها لا تدفعها هباءً؛ وإنما يتم ذلك لتنمية المجتمع ذاته؛ بأن تتيح لشاب أن يقرأ، فيتحول هذا الشاب إلى مؤلف، أو مبدع، أو ما شابه. أي أن هذا يكون بمثابة إعادة تدوير داخل الماكينة الكبيرة للبلد والتي تنتج أموالًا أخرى. مما يعني أنه يقوم بتشغيل الماكينة، وطبعًا الولايات المتحدة الأمريكية في المقدمة كالعادة طبعًا بناءً على بيانات بعض الإحصاءات الدولية. وهو ما يشير إلى ضرورة أن يفتح بابًا للحوار المجتمعي الجاد؛ وهذا شيء نرحب به جميعًا، لكن للأسف تدعه بالفعل الكثير من الحكومات، ففكرة أن يشترك الجميع وأن يكون للأحزاب القائمة في هذا البلد أو ذاك بحوار يهدف للارتقاء بقيم ومعارف المجتمع المحلي والدولي أيضًا، أمور بديهية للغاية إذا ما أرادت دولة أن تلحق بركاب الحضارة.

أما فيما يخص مسألة دعم الكتاب وعملية النشر، يرى "المعلم" بشكل أو بآخر أن الحكومة مسئولة كعنصر مساعد، أو كعنصر مُعَوِق في عملية النشر، وقد تحدث هذه الإعاقة جراء ممارسات عنصرية محضة! وهو ما يعني الحقيقة التي تُثبَت يوميًا بما لا يترك مجالًا للريبة في معظم دول العالم الثالث. ما يعني أيضًا ضرورة أن تبدي كل الأحزاب والمؤسسات اهتمامها بالثقافة، وبالكتاب، وبالسينما، وبالتنمية؛ هذا شيء لا مفر منه بالطبع، ولا بد أن تشترك جميع فئات المجتمع وطبقاته في هذا الحوار، وهذا ما تطرحه الدول المتقدمة بالفعل، وهو ما يجب أن يعيد إلى أذهاننا التفكير في مزاياه أيضًا بالنسبة لعالمنا. صحيح هناك فرصة على الدوام للبدأ من الآن، فورًا، لكنه أيضًا أمر كان لا بد أن يطرح من زمن بعيد للغاية، فعلى الأقل حينها ستوفر الدول التي ضيعت أعمارها في تخلف وتراجع، بعض الوقت المستهلك من دون فائدة تذكر، بل على العكس، فإن التخلف عن التقدم والانفتاح والثقافة مرة أخرى وهي أمور لا مناص عنها بالمرة؛ لا يعني الوقوف بنفس المكان، ولا يعني الثبات، وإنما يعني التراجع سنوات ضوئية للوراء. لكن لا بأس؛ هناك فرصة على الدوام، بشرط الإرادة الحقيقية. هذه هي القوة الثقافية، القوة الناعمة، وما تشكله أهمية الثقافة بالنسبة ضمن إطار تنمية الإنسان في كل دول العالم ومنها مصر والدول العربية بطبيعة الحال. وهي أهمية قصوى بالنسبة لبعض الدول الفقيرة ذات التطور الثقافي والاقتصادي والاجتماعي المتواضع. لأن أساس التنمية هو الإنسان، والأخير لا يمثل نفسه فحسب، بل يمثل المكون الثقافي لهذا البلد أو ذاك. وعليه فإن الشيء المنطقي منذ البداية هو أن يكون لدى مؤسسات المجتمع المدني والسياسي أوراقًا ورؤى، ولديها مشاريع تُطرح للنقاش، والكل يشترك فيها بناءً، أو نقدًا، لأن هذا يهم الأوطان بالكلية وهو أساسها بدايةً. يخبرنا "المعلم" إذن؛ أن الدولة تعني؛ الجميع. الدولة تعني كل الناشرين، وكل الكتاب، وكل المثقفين، الجميع بكل ما تعنيه الكلمة. وهو ما يسلط الضوء بالطبع على نقطة أخرى؛ لتكون الصورة كاملة أمام القارىء، يعني في هذا الجزء أيضًا هناك إشارة إلى المكتبات ودور النشر الخاصة والمستقلة، ومشروعات مثل القراءة للجميع أو ما يماثلها في الرؤى أو يتفوق عليها طبعًا، لأن هذا المشروع المصري كان لديه الكثير من الإخفاقات، والكثير من النجاحات أيضًا. غير أن هذه البرامج قائمة بشكل أساسي على القطاع الخاص، وعلى المكتبات الخاصة. وهنا أصبح الأمر مشتركًا بين الدولة والقطاع الخاص. بالطبع، الحديث عن حالة الثقافة العامة في أي بلد، فلا بد أن يشمل الكل. كما تتحدث في السينما أيضًا، لا بد أن تتحدث عن كل السينما، لا عن فيلم واحد قامت وزارة ما بإنتاجه. هنا تظهر ضرورة الحديث عن قطاع السينما ككل، ومن أجل ذلك سآتي إلى نقاط بالغة الأهمية، هناك واجبات على الحكومة؛ فمن ضمن الأشياء؛ هو وصول الكتاب إلى جميع الأنحاء، وهذا شئ مهم جدًا. هكذا يخبرنا "المعلم" على الدوام وفي كل مناسبة: لا بد أن يصل إلى كل مكان، ولا بد أن يتاح للجميع، وليس طبعات رخيصة؛ وإنما مجانًا، ويصل مجانًا، عن طريق المكتبات العامة، وهذا واجب جميع حكومات العالم. هذا أيضًا ما تشير إليه ميزانيات المكتبات العامة في بلد مثل أمريكا كما أشرنا سابقًا. كما أشار أيضًا، إلى أن هناك فرقًا بين الدولة والحكومة، إذ الدولة تعني الجميع، الشعوب مع المؤسسات والحكومات المتعاقبة والخارجين عن القانون ومن لا يقرأون أو يكتبون! أما الحكومة، هي مجموع أفراد موظفون لدى الدولة والشعب ومهمتهم القيام على كافة الأمور بمنتهى الاهتمام والإخلاص والصدق والعدالة. وما يريده من الحكومة هو أن ترعى الثقافة، وترعى الفن، كما ترعى كل شئ؛ ليكون دورها أكثر فاعلية، وأكثر كفاءة، وأكثر عدالة، فلا تخل الحكومة بدورها المنوط بها فعلًا أي في اتجاه. وهو ما ينعكس بالضرورة في قيامها بعمل انفتاح، وعدالة اقتصادية، لا في اتجاه آخر بتكريس سياسة الاحتكار، ما يخلفه من استبداد وظلام يعم كل شيء. إذن؛ من المهم الانفتاح على ثقافة حرية النشر والكتاب وكافة الفنون الأخرى. ولا بد أن يحدث هذا من دون تحيز، ولا إغراق لفئة من الناشرين دون الآخرين. نريد أن يصل الكتاب للناس، ليس رخيصا فحسبُ؛ وإنما مجانًا. هذا حق المواطن عن طريق المكتبات العامة، أما الحكومة فواجبها أن توفر ميزانية، وواجبها أن تدعم، لكن لا تدعم أحدهم، وتترك آخر. ببساطة لأن نقود هذا الدعم؛ هي ملك الجميع في الأساس.

يرى المهندس "إبراهيم المعلم" أن الدعم لا بد أن تتعدد أشكاله أيضًا، بالإضافة إلى التعاون بين الدولة بمؤسساتها المختلفة والمعنية بكافة الأمور، مع القطاع الخاص بكافة أطيافه. كي لا يكون هناك جهدًا مهدرًا، وكان من الممكن تصريفه إلى نطاق آخر يحتاج الاهتمام بالفعل. فمثلًا، عندما تقوم المؤسسات الحكومية بنشر سلاسل معينة من الكتب، بينما تكون سبقتها إلى ذلك دار نشر مستقلة، وتخرج في فئة أقل اقتصاديًا. نفس الكتب، وربما كان منشورًا بشكل أفضل، لأن العلم، والثقافة، والإبداع، إذن نشر المؤسسة الحكومية ليس ذي طائل يذكر في هذه الحالة، ببساطة لأنها ليست وظيفة الحكومة من البداية. وبالتالي فهنا يحدث الهدر والتبديد للجهود والأموال. وعوضًا عن ذلك كان من الممكن أن تقدم الحكومة دعمها عن طريق المكتبات العامة، أن يكون لها ميزانيات، وأن يكون لها حرية اختيار خاصة؛ فتشتري من الكل، وليس من أحد بعينه، بما يناسب شرائح قراءها وزائريها. وهناك أمر آخر لا بد من الالتفات إليه، حينما تود حكومة ما أن تدعم حركة الترجمة، من الضروري أن تقدم دعمها إلى المترجمين، وإلى دور النشر التي تهتم بنقل الأعمال من لغات أخرى إلى لغتها الأم، لا أن تقوم بإنشاء جهاز للترجمة، وبناء مبنى لهذا الجهاز وتعيين موظفين وشراء سيارات وإعطاء مبالغ نقدية، كل هذا يصرف في غير صوابه. هذا ما ينتبه إليه العالم الحديث بالفعل، وهذا ما يجعله في الصدارة فعلًا، قولًا وعملًا. ويردف المعلم قائلًا: منذ عدة سنوات كنت في معرض فرانكفورت، وجاء وزير المالية، ليقول كلمة في الإفتتاح من ضمن الكلمات؛ فقال: "أهم شيء لدينا الثقافة والتعليم، ونحن إن لم يكن التعليم لدينا على أعلى درجة ومستوى، وإذا أضعنا سنة أو سنتين ولم نطور ولم نحسن؛ فنحن بذلك نضيع عشر سنوات من مستقبل ألمانيا، ولذلك كل ما يلزم التعليم والثقافة من ميزانيات لا بد أن نوفرها؛ بل وزيادة؛ لأنها لا بد أن تتطور كل عام ". هنا يبرز الفارق بالفعل، بما لا يدع مجالًا للشك، بين أسباب تقدم دول وأسباب تخلف أخرى. فعندما نأتي إلى إنجلترا، فمنذ عدة سنوات قرر وزير المالية؛ أن كل طفل يولد في بريطانيا لا بد للدولة أن تشتري من الناشرين - وقد أتم الطفل ستة أشهر – مجموعة من الكتب، والتي يتحتم على أهله أن يبدأوا في قرائتها له، ثم عندما يتم إثنى عشر شهرًا مجموعة أخرى، ثم عندما يتمم السنتين كذلك. إلا أن الدولة لم تعمد إلى موظفيها لتأليف تلك الكتب، بل تركت الأمر للمختصين بهذه الخصوص ودعمتهم جميعًا، ودعمت المنافسة الشريفة بينهم وحفظت حقوقهم سواء المادية أو الأدبية؛ هذا لمعرفتها بالحاجة لمؤلفات إبداعية وبمواصفات معينة راقية؛ إذن؛ فالمجتمع كله يؤلف، ويتنافس ومن ينجح لإدراك تلك المواصفات الموضوعية والعاقلة، يكون في الصدارة. وهذا في رأي "المعلم" يشير إلى عدة أسباب لتحقيق نهضة متكاملة وتدخل جميعها ضمن إطار السياسة، ومنها ضرورة الاستثمار في الإنسان، لأن هذا هو أهم وأغلى استثمار. ثم أن القيام بذلك سيشكل أرباحًا أيضًا، لأن إطلاق التشريعات والحريات بما يحفظ للجميع حقوقهم وواجباتهم في إطار من التنافس الشريف والهادف، ستكون نتيجته مدهشة بالفعل، ولتنظر ما يفعله العالم الحديث، أمريكا وإنجلترا وما يحققون من مكاسب هائلة جراء هذه الصناعات، سواء بتحقيق أرباح مادية مباشرة في تحسين السياحة وغيرها، أو بتطوير الإنسان نفسه وفكره وقدرته على الإبداع والإتقان، وهو الذي يخرج ليكون فنانًا ومؤلفًا وصانعًا ووظائف متعددة يشكل فيها الفارق الإبداعي بين إنسان وآخر عاملًا فارقًا. والعالم الغربي يهتم فعلًا بنقاط مشابهة، لدرجة أننا إذا تحدثنا عن صناعة بمثل هذه الأهمية في بريطانيا على سبيل المثال، سنعلم أن الوزارة هي هيئة واحدة هناك؛ اسمها وزارة الثقافة، والإتصالات، والصناعات الإبداعية، والسياحة؛ أي تم وضع تلك الهيئات المستقلة عادة في وعاء واحد مع الفنون والآداب والرياضة، لتتعاون جميعها بما يخدم المصلحة العامة. لذلك وبما أن الشأن الرياضي لا يبعد كثيرًا، كان من الضروري أن ننتبه أن دورة لندن الأوليمبية ودورة المعوقين؛ قامتا بعمل أعظم افتتاح في تاريخ الدورات الأوليمبية؛ لأنهن اعتمدن في المبدأ الأول على إبداع الإنسان، وعلى الثقافة

يضيف"المعلم" قائلًا: بالطبع لا نتحدث عن العالم، ونعني أمريكا، لأن العالم كله يحتكم إلى هذه الرؤية، بما يتناسب مع وضعه وسياساته، لكنه يولي اهتمامًا كبيرًا بالكتاب من حيث هو كذلك. ولأننا عندما نتحدث عن الكتاب، نتحدث عن القراءة أيضًا، والناس سوف تقرأ، فهذا مفتاح الثقافة، حتى الفيلم أساسه كتاب! كل شئ أساسه كتاب، ومع البحث عن أساليب للتعليم الجديد أو المتجدد، سواء كان الكتاب ورقيًا، أو إلكترونيًا، أو مسموعًا، إلخ. ومن هنا يتم بحث كل من الكتاب المدرسي، والكتاب الجامعي، بالإضافة إلى رؤية ماذا فعل العالم السابق لنا في هذا المجال، ونستفيد من خبرات الآخرين. إنما ترك الكتاب المدرسي، وبه نوع من احتكار الدولة، واحتكار المؤلفين، واحتكار الناشرين، هذا لا يؤدي إلى شيء سوى التأخر والجهل. وعليه فعندما تقيم مسابقات عالمية في الرياضيات، والعلوم، تكون سنغافورة هي الأولى على العالم، وتكون كوريًا متقدمة، وتكون كذلك إيران متقدمة، وتكون هناك سبعة بلاد عربية متقدمة عنّا (يقصد مصر) في الكتاب المدرسي، وفي قدرة الطالب على الإستيعاب، وأظل صامتًا هكذا، فهذه خطورة. إذ الخطورة الحقيقية تكمن في التعليم، إذا لم ترتفع بمستوى التعليم؛ فكلنا في خطر متكامل، هذا ما التفتت إليه دول العالم الحديث مبكرًا، والآن تحصد ثماره، تقدم وحضارة وعيش مشترك وتسامح وقبول للآخر وغيره. والتعليم هو أحد أساسياته المدرس، والمنهج، والكتاب كذلك. ومنه ربما يكون هناك دور للقطاع الخاص في هذا الأمر، وله عائد اقتصادي معقول. بالفعل نتحدث عن بعض الكتب في سنغافورة، أو هونج كونج؛ تنتج كتبًا مدرسية معينة منتشرة في كل دول العالم كـ(تيكست بوك)، وكانت في مرحلة سابقة، الكتب المدرسية المصرية تصدر إلى الدول العربية المختلفة. يقول "المعلم" أن هذه الفكرة أيضًا أنه من الهام للغاية طرحها للنقاش وبكل جدية ممكنة، في كل بلد أراد بالفعل أن ينفض عن أكتافه تراب الظلام والجهل، تابعًا نير الحضارة وركبها الحقيقي، لا بمجرد ادعاء بالتقدم والنهضة الزائفة. نعم؛ هذا لا بد أن يطرح، ويطرح بشفافية، وتكون سياسة واضحة، وبها عدالة، وفيها منافسة لصالح القارئ، ولصالح الطالب، ولصالح الوطن بالكامل، في أن يصله أفضل كتاب، وأحدث كتاب، وأيسر كتاب بأحسن سعر، والمنافسة الحقيقية العادلة بالنسبة للكل هي التي ستخلق التقدم.

إلى هُنا يشير إبراهيم المعلم إلى ضرورة الالتفات من موقعنا المصري والعربي إلى ما يحدث حول العالم، أي أن العالم بالكامل الآن يتطلع إلى مسألة الصناعات الإبداعية. إذ تهتم الأمم المتحدة واليونسكو ومؤسسات أخرى مثل اليونيسيف، واتحاد الناشرين الدولي بالطبع بهذه الصناعات ويعملون جميعًا على دعمها وتطويرها المستمر. العالم كله يعتبرها؛ أكبر الصناعات القابلة للنمو في العصر الحديث، وأكبر الصناعات تأثيرًا في بناء وتنمية الإنسان. حيث أن تنمية الأخير هي الأساس على الدوام، سواء كانت اقتصادية، صناعية، سياسية، حضارية، ديمقراطية؛ أساسها الإنسان. إذن؛ الصناعات الإبداعية هي أكثر الصناعات المؤثرة في الإنسان، وحجمها في العالم حوالي واحد ونصف تريليون دولار، وتقفز، وتزيد كل عام عن السابق. واحد ونصف تريليون دولار؛ ماذا تعني، تعني ألف، وخمسمائة مليار! ولأجل أن يعي القارىء هذا الفارق الضخم، فهناك بعض ميزانيات الدول لأعوام متتالية لا تتعدى واحد من خمسة عشر هذا الرقم! مجرد فتات ليس أكثر! كما أن هناك صناعات تُعد هي الأساس، بالإضافة إلى صناعات فرعية أخرى. وضع في الاعتبار حجم ما وصلت إليه الصناعات الأساسية في هذا الشق؛ فمثلًا صناعة النشر في العالم حوالي ثلاثمائة وخمسة وأربعين مليار دولار! الكتب فقط؛ مائة وثمانية وثلاثين مليار دولار. أما المجلات والجرائد والدوريات حوالي؛ مائتين وسبعة مليارات دولار. ولا بد من الانتباه لأمر ما، أن الدوريات هي الأكبر وربما لا يعي الناس جيدًا هذا الأمر؛ أن الدوريات العلمية وتشمل: المجلات العلمية، المجلات المتخصصة في مجالات بعينها مثل الطب، والزراعة، والصناعة، وعلم النفس، والتاريخ، والجغرافيا، والتي هي في كل فرع على حدة. ولكي نفهم جيدًا ضخامة هذا الحقل من النشر وهذه الصناعة، فهناك ناشر واحد حول العالم يقوم بإصدار؛ ثلاثة آلاف وسبعمائة دورية! هذا بالإضافة حسب "المعلم"، أن صناعة البرمجيات التي تخدم الصناعات الإبداعية أصبحت تتابع بقفزات سريعة متتالية، لدرجة لا تسمح مطلقًا بالتوقف عند حد معين، ولا حتى من باب عجز الخيال ذاته عن استيعاب كل هذه المتغيرات والتطورات التقنية الخاصة بكل صناعة وبشكل يومي. ثم أن الأرقام التي تنفق بالفعل على صناعات كهذه تعطي دلالة هامة ومعبرة عما يجري حول العالم، فهناك صناعة الموسيقى والمسرح والأوبرا حوالي؛ خمسين مليار دولار. والسينما حوالي؛ أربعين مليار دولار. أما التليفزيون والراديو حوالي؛ مائة وخمسة مليارات دولار. والتصوير والفنون البصرية والإعلانات حوالي؛ مائة، وعشرين مليار دولار! ومن هنا تستطيع أن ترى اهتمام العالم بالصناعات الإبداعية وهي الصناعات التي تحتوي على إبداع إنساني بكافة أشكاله ويسمونها كذلك؛ صناعات الملكية الفكرية، ومنها ترى تقدم حضاري حقيقي، بما يخلق من هوية متفردة، وشخصية مستقلة للبلد المصنعة. ولا شك أن بعض هذه التفاصيل جميل بالفعل، غير أنه مثير للشفقة والحزن لأن هناك بلدان كثيرة لا تعرف طريق صوابها مع الأسف. لدرجة أن مجرد سماع مصطلحات كهذه يعتبر مثير للريبة والتحفظ أحيانًا بالإضافة للشعور بالجهل والضآلة، لماذا نجد هذا المصطلح (الصناعات الإبداعية) غريبًا على آذان الكثيرين؟ لماذا لا يعرفون الصناعة الإبداعية؟ هذا ما أشار إليه "المعلم" مرارًا وتكرارًا، لكن ما تزال بعض الدول وبالأخص العربية والإفريقية لم تعتاد عليه. قائلًا: نحن في الحقيقة –لا أعرف- مشغولون بأشياء أخرى، نحن مشغولون في الحقيقة، ولنا سنوات طويلة؛ ليس بإطلاق الصناعات الإبداعية، ولا بإطلاق الثقافة، والإبداع؛ بل نحن مشغولون (كما أشار في بداية الفصل) بالسيطرة عليه!

يتضح من البداية أن "المعلم" يتحدث بوصفه ناشرًا في المبدأ الأول، يعني أنه يطرح أيضًا المعادلة التجارية، لا الثقافية فحسبُ. وحيث الكثيرون قالوا إن دار الشروق عندما وضعت كل أعمال أديبنا الكبير الراحل العظيم نجيب محفوظ على الإنترنت؛ أن هذا مكسبًا ثقافيًا هائلًا، لكن السؤال يظل ما هو العائد من ذلك على المؤسسة؟ لكنه يجيب أنه حتى الآن لم يوجد عائد يذكر، لكن العالم كان يستعد وقتها، حيث ظهر بابًا سحريًا، يسمى بالنشر الإلكتروني، وهذا هو العالم الآن، العالم الرقمي! ويذكر أنه عندما أصدرت شركة آبل جهازًا أحدث ضجة كبيرة في العالم؛ لأنه مزود بإمكانية تحميل الكتب عليه، بما فيها الكتب الدراسية، والصحف، والمجلات، وبرامج تليفزيونية وغيرها. يعد هذا الأمر الآن شيئًا عاديًا للغاية، لكنه منذ عقد أو اثنين من الزمان، كان يقترب من الخيال، أو على الأقل هو أمر مستبعد نسبيًا! سيكون سهلًا، فبالطبع فإن هذا سيحدث إنقلابًا. إذن؛ هذا العالم الآخذ في التطور، ونحن في الطباعة؛ قد دخلناها بعد العالم، في مصر بعد أربعمائة سنة، وعن باقي العالم بحوالي خمسمائة سنة، فالنشر الحديث بمعناه هذاضعنا في موقف حرج ربما؛ إذ نحن متأخرين عنهم. كما طرح وقتها أن هناك فجوة كبيرة بين العالم خارجًا وبيننا، سنوات عديدة وأعمارًا كاملة، قائلًا: النقطة الآن أن هناك عالمًا ينفتح، وإما أن تقبل وتسعى وتجتهد للحاق هذا الانفتاح والتقدم؛ وإما أن تبقى كما أنت! متخلفًا، متأخرًا عن كل هؤلاء. الذين يستعدون؛ يستعدون لما سوف يحدث مستقبلًا! ففرنسا مثلًا طلبت ذات مرة من وزير الثقافة، سبعمائة وأربعين مليون يورو كبداية لوضع كنوز الكتب الفرنسية على الإنترنت، في بداية عصر الإنترنت طبعًا، ليس الآن، ولا نزال نعاني الأمرين في هذا الاتجاه أيضًا، وهذا وقتها لم يكن سوى بداية لتأصيل دور الدولة في دعم الملكية الفكرية للمؤلفين، والناشرين، والحفاظ عليها إلى أن يكتشفوا الطريقة العملية للوصول إلى العائد، وفورًا تمت الموافقة، وتم صرف السبعمائة والأربعين مليون يورو. أما الطريقة التي يحصل من خلالها الكاتب على عائد من نشره، أظن أن الواقع والحاجة أفصحت عنها بالضرورة أيامنا هذه، في أشكال متعددة منها التطبيقات الإلكترونية وعقود دور النشر مع هذه التطبيقات وما تدره الإعلانات على الكثير من المواقع وغيرها من المنصات الإلكترونية، التي تهدف إلى الوصول للجميع، عن طريق الإنترنت والهاتف أولًا! كما يرى "إبراهيم المعلم" أن الكتاب أيضًا منتج استراتيجي، وهو الموضوع الأهم على الدوام، وهو مؤشر إما قوي وفاعل وحقيقي وصادق بدرجة كبيرة، لصحة الأمم وفتوتها وفورة الثقافة والانفتاح والحرية أو مرضها واستبدادها وفسادها! يحكي أنه حدث منذ سنة 2000 م، وفي اجتماع لإتحاد الناشرين الدولي، والجمعية العمومية لإتحاد ناشرين العالم؛ وكان في الأرجنتين (بيونس آيرس) وقيل وقتها أن الناشر؛ ليس معناه هو ناشر كتاب ورقي؛ وإنما الناشر هو ناشر المحتوى عبر أي وسيلة، والكتاب الورقي هو أحد هذه الوسائل، كل الوسائل الأخرى هي وسائل في منتهى القوة أيضًا، وهو ما أثبته الواقع بأكثر من صورة ومشهد الآن. يعطي هذا الموقف تأكيدًا واضحًا على أن ولاة أمور النشر والثقافة في الدول المتقدمة، بدرجة كبيرة هم أصحاب رؤية مستقبلية واعية ولا تهدف لغير النهضة والازدهار. لم يكن حديث "المعلم" هنا سوى مدخل طبيعي لما يطرحه الواقع نفسه من تحديات مغايرة بدرجة كبيرة عما أثير منذ عقد واحد زمنيًا، هذا لأن هناك طرق أخرى نستطيع من خلالها إدراك هذا المحتوى والبحث فيه بقدر ما نشاء. لكنه يعود لندرك حجم هذه الإمكانات، فيقول: أنا الآن أستمع لكتب صوتية في السيارة، وربما لا أحتاج أن أقرأها. وكتب أراها على الأجهزة الإلكترونية التي تصدر يوميًا وبشكل مبهر حقيقة. كتب تسمعها، كتب تراها، كتب متاحة للجميع على الإنترنت. كل هذه وسائل هامة حتى تصل العلوم والمعارف إلى أكبر عدد من المتلقين في أيسر، وأجمل، وأرخص صورة ممكنة.

بالإضافة لما يتركه أثر الكتاب السمعي على البيع، وغالبًا ما يكون إيجابيًا. لأن كل ما ننتج من وسائل جديدة تسهم في خلق حالة أفضل من الثقافة. وحسب "المعلم" فالناشر ليس بائعًا للورق فقط، لكنه عوضًا عن ذلك ناشر محتوى، أيا كانت وسيلة تقديمه، سواء كان إلكترونيًا أو ورقيًا أو مسموعًا أو مرئيًا. كما أننا لا ننتج الورق بشكل كافٍ، وبالتالي قد يكون للكتاب الصوتي أثره الطيب، أولًا في توفره وبشكل يتاح بدرجة أكبر وتكلفة أقل، بالإضافة أن ذلك يساهم بشكل مباشر في المنافسة المحمودة وأيضًا في خفض ثمن الكتاب الورقي. ولو أن كل العالم العربي لا يتعد استهلاكه في الكتب الورقية والنشر أقل من نصف في المائة من العالم! هذا غير أن العالم كله يوجد به كتاب إلكتروني وأقصى ما وصل إليه في أي بلد 20 في المائة. بينما معظم البلاد اثنان في المائة وحتى الآن لم يقل الكتاب في نفس الوقت، لأن الغالب أن الناشر والمؤلف الذي يقوم بإنتاج الكتاب الورقي هو الذي ينتج الكتاب الإلكتروني. هذا وأن الكتاب ليس فقط ورق محبّر، بل أصبح الآن من السهل وضعه على لوح ذكي وحتى ضمن وزارات التربية والتعليم. من هنا نعلم أن المحتوى سهل الانتشار بالأخص في عالم الإنترنت فائق السرعة، فالنشر يزيد من أهمية القراءة ويدفع العملية برمتها إلى الأمام. ولكن هناك خطورة بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت هناك فرصة أكبر لتزوير المعلومات والحقائق وهذه كارثة لأن هناك العديد من الأشخاص ينخدعون بسهولة فيما يرون من صور وعدد متابعين، فلا يعرفون الصواب من الخطأ، لدرجة أن بعض الكتب قد يتم تغيير محتواها عمدًا، وهذه كارثة أخرى. إلا أن هذا يثير أمور أخرى، منها أن الكتاب أصبح غالي الثمن بالفعل، ولو أنه في العالم العربي أرخص من نظيره في العالم وهو في مصر أرخص من العالم العربي بدرجة ما، لكن نسبة الغلاء في سعر الكتاب أقل من نسبة الغلاء في أسعار تذاكر السينما والمسرح وغيره. وهذا يعود بنا مرةً أخرى إلى أنها ربما مشكلة قراءة بالأساس، مشكلة مناهج دراسية ومشكلة كتاب مدرسي ومشكلة وسائل تعليم. فالكتاب المدرسي في السنوات الأولى قد يكون وسيلة لتعذيب الطالب وإرهاقه بالملل والتطويل وبالإخراج الذي لا علاقة له بالعصر، وقد يكون بوابته نحو الخيال والترقي وحب المعرفة! وبدوره يضع الأمر برمته على عاتق المسئولين في كل بلد على حدة، فإما أنهم يوكلون أمورًا كهذه إلى مجرد موظفين أصبحوا هم المؤلفون والمبدعون، وبالتالي يكون الكتاب في هذه الحالة عقيمًا مجدبًا. بينما الكتب المدرسية في أماكن أخرى، تأتي لتحشد طاقات الأمة من مؤلفين وناشرين وشعراء ورجال تربية وتعليم؛ لكي يخرج الأجمل والأحسن والأفضل.

والآن يستطيع الرجل الذي تمكن من قيادة اتحاد الناشرين المصريين والعرب لسنوات طوال، واستطاع تطوير دار النشر الخاصة به، والتي أقامها والده وضم إليها أبرز الكتاب المصريين والعرب، وعرف عنه ذكاؤه ودبلوماسيته مما ضاعف من استفادته لأدواته المهنية. المهندس إبراهيم المعلم أن يحدثنا عن هذه التجارب الهامة بلا شك.

عندما تراه، يأخذك ببساطة إلى عالمه الخاص؛ عالم الكتاب الذي عاش فيه وله على مدى أربعين عامًا، رحلة طويلة مع الفكر والإبداع والمعرفة. حمل فيها الكتاب سفيرًا لبلاده خارج الحدود، وحصل معه على منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي للناشرين. وكان رئيس اتحاد الناشرين المصريين ورئيس مجلس إدارة دار الشروق قد انتخب عضوًا بمجلس إدارة الاتحاد الدولي لأول مرة عام ٢٠٠٥م. قبل أن ينتخب نائبًا للرئيس في دورة تستمر عامين قابلة للتجديد. حكى "المعلم" كثيرًا عن أهمية هذا المنصب وما يتطلبه من عمل جاد وجهد متواصل، كونهما عدة لازمة وأسلحة ضرورية لتحقيق أي نجاح في الحياة؛ فيقول أن هذا منصب كبير ومرموق وبالغ الأهمية بالنسبة لمهنة النشر ومن المنطقي عندما أحصل عليه وأفوز به بإجماع الأصوات أن أشعر بسعادة وفخر حقيقيين، بالإضافة لامتنان واعتراف كبير برحلة طويلة في عالم النشر الاستراتيجي بالغ الأهمية بالنسبة لثقافات العالم. وأن يصل في مهنته إلى منصب رفيع لا بد وأن تختلط به كل المشاعر من الفرح والخوف والقلق لأنها أمست رحلة نجاح دولية تستوجب كثيرًا من الجهد والعمل الجاد الموضوعي. أما الذي يمثله الاتحاد الدولي للناشرين لمصر والعرب بشكل عام، فهناك حديث كثير ذو شجون حقيقية. فقد بدأ الاتحاد الدولي عام ١٨٩٦م. ومنذ أول اجتماع له وهو يشجع حركة النشر الحر المستقل في العالم ليقف على أعمدة راسخة لا تتبنى سوى حرية النشر والحق في التعبير، وحرية تداول وانتقال الكتب والمعلومات وهذا يتبعه سلامة المؤلفين والناشرين على حدٍ سواء؛ إذ الكل واحد بدايةً، ومن الضروري أن يكون آمنًا مطمئنًا، على حقه المادي والمعنوي. من هنا يقص "المعلم" بعض رحلته وأفكاره وربما أحلامه حول هذا المنصب، وعالم النشر والكتاب الساحر أيضًا، هذا بين الماضي والحاضر، في محاولة دؤوبة لاستشراف المستقبل وتبين ملامحه.

منذ توليه منصبه، وتولى دعم حرية النشر بما فيها ضمان حرية الاستيراد والتصدير وحركة التوزيع وحرية التعبير. من هذا نستطيع أن نؤكد على قاعدة عامة لطالما تبناها "المعلم" رؤية ومنهاجًا. كما عمل مع الاتحاد على محاربة الرقابة التي تصل فى بعض الدول إلى ثلاث جهات رقابية مختلفة تعوق حركة النشر. واهتم بحماية حقوق الناشرين والمفكرين والكتاب. فيما لم ينضم اتحاد الناشرين المصرين للاتحاد الدولي للناشرين إلا بعد جدال طويل فبعض الأعضاء كان يرفض ضم دول عربية بين أعضاء الاتحاد الدولي بحجة كونها دول مستبدة ليس لديها أي حرية للنشر. وتمكننا –يقول المعلم- في النهاية من الالتحاق بالاتحاد الدولي بعد أن أوضحنا مدى كفاح بعض الناشرين في تلك الدول لفرض مبادئهم وأفكارهم. فيما حرص على الاهتمام ببعض الملفات أثناء ولايته منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي للناشرين، قال أنه من لحظة بدء تولي مهامه الوظيفية، فقد اهتم بمراقبة بعض الملفات الخاصة في العالم بالكامل. وأضاف أنه كان للصين أولوية خاصة، فهي حتى تلك اللحظة لم تدخل اتحاد الناشرين؛ بسبب الرقابة فيها! إذ اتحاد ناشري الصين مازال يخضع للرقابة الحكومية الصارمة. في حين يوجد بالصين وقتها 4000 ناشرًا حكوميًا و20000 ناشرًا خاصًا. وقد تم عمل لجنة مكونة من رئيس الاتحاد والمهندس إبراهيم المعلم وأعضاء آخرين من أجل التوصل إلى حل جذري لهذه المشكلة. فالصين دولة كبيرة لا يمكن أن تبقى خارج الاتحاد مما يتطلب مساعدتها لتحقيق ما فيه مصلحة الثقافة والمبدعين. أما فيما يتعلق بحق الكتاب فهناك دول تحتاج لمزيد من التقدم في هذا المجال، وهو ما اهتم به "المعلم" أيضًا من اللحظة الأولى. بالإضافة للتأكيد على ضرورة التعاون مع الاتحاد العالمي لحقوق الملكية الفكرية من خلال عقد مؤتمرات وعمل دورات تدريبية لتأهيل المحكمين والحكومات والمحامين ودور النشر. وقد تقرر وقتها انعقاد المؤتمر الدولي للملكية الفكرية لأول مرة بمدينة دبي.

هذا بالإضافة طبعًا وحسب رؤية "المعلم"، إلى احترام الملكية الفكرية التي تحمي حقوق الناشر والقاص والرسام وكل من يتعلق بمهنة صناعة الكتاب، بما يشجع على معرفة قيمة الملكية الفكرية وأبعادها وأهميتها في إزدهار الحركة الثقافية. كما يشجع على تنمية الإنسان ومساعدته على الإبتكار والإبداع، بما يهدف إثراء البشرية الحقيقي. وهناك محور آخر، هو التعريف بحقوق المرأة والأقليات في كل مكان بالعالم، ومناهضة العنف وتشجيع قيم التسامح وقبول الآخر. وفي رأي "المعلم" فإن احترام الملكية الفكرية لا يعني احتكارها، وإنما الهدف هو الحفاظ على مسار يحترم الإنسان ابتداءً، سواء كان مبدعًا يحتاج أن ينقل إبداعه إلى الناس، أو من عموم القراء والمتلقين لهذا الإبداع، لأنه يعد حقًا أوليًا للغاية. هذا غير أن الخلل بالملكيةالفكرية، يعني القضاء على الثقافة. لذلك كان لا بد من اتخاذ كافة الإجراءات القانونية، وعمل حملات توعية لشرح معنى الملكية الفكرية لأن بعض المؤسسات بما فيها المؤسسات التابعة للدولة لا تعي طبيعة المشكلة. وهذا ما يحاول الاتحاد القيام به، ودفعه باستمرار إلى الأمام، إذ يقوم بتنظيم مؤتمر عام لناشري العالم كل أربع سنوات ويشمل عدة لجان: منها لجان متخصصة فى كتب الأطفال وأخرى تتناول مستقبل الكتاب الورقي وثالثة تتولى الملكية الفكرية وأخرى تتناول التكنولوجيا الحديثة ولجان تبحث مستقبل معارض الكتاب والكتب المدرسية. وفيما يخص مسألة الكتاب ومنافسة الكتاب الإلكتروني، يرى "المعلم"، أن هذه النوعية من الأسئلة لا محل لها على مستوى النشر في العالم لأن الهدف من النشر هو توصيل الفكر والفنون أيا كانت الوسيلة، فكل وسيلة لها قنواتها ولا يمكن أن تقضي وسيلة على أخرى، صحيح أن بانتشار تطبيقات الكتب الإلكترونية وغيرها من وسائل انتشار الكتاب الرقمي، بل ربما تظهر فى السنوات القادمة وسائل جديدة لا نعرفها لتوصيل الفكر والمعلومات، إلا أن الكتاب الورقي في انتعاش وهو مازال الوسيلة الأنجح والأيسر والأحب إلى الناس؛ لأن بإمكانه التداول في أي مكان وتكوين علاقة سحرية ما مع القارىء، هذا ما لا يحدث للكتاب الرقمي! ويبقى الهدف هنا نشر " فكر" وليس نشر " ورق".

بالطبع فإن حركة النشر في العالم كبيرة للغاية وهي تتجاوز بالفعل وربما بسنوات ضوئية ما تقوم بنشره الدول العربية مجتمعة، وكما تقول الاحصاءات أنه منذ عدة سنوات كان مجموع مبيعات الكتب في أكثر من ٨٢ ألف مليون دولار حوالي أربعة ونصف ألف مليار مصري، وما تزال مصر والدول العربية وإفريقيا يمثلون نسبة ضعيفة جدًا على خريطة النشر العالمية، وهو أمر مؤسف حقيقةً؛ حيث أننا بلدان لها تاريخ ثقافي كبير، لكننا مازلنا بالنسبة للنشر أقل من نصف بالمائة من حركته العالم، أو هكذا يرى إبراهيم المعلم. ومن هنا فعندما تقول كتاب ورقي أم إلكتروني، فنحن لن نؤثر فى حركة النشر من الأساس! لا عن طريق الاستهلاك ولا التأليف ولا حجم التعاملات. وبالتالي فإن العالم يتقدم بسرعة جنونية، كما أن أمامنا وسائل متاحة الآن أكثر مما سبق بما يفوق الخيال؛ لذا لو لم نحاول اللحاق بركب الحضارة، فربما نندثر كما الحضارات البائدة. علينا أن نتحرك وفق هذه الوسائل أو تلك لتوصيل المعرفة والفكر، المهم أن نتحرك! علينا أن نساهم في وصول المعرفة والفنون ولا بد أن نكون جزءًا من حركة النشر في العالم. لأنه بالإضافة إلى ما سبق؛ فإن من أدوار الاتحاد الدولي للناشرين؛ هو إقامة معارض للمحترفين وهي غير المعارض التى تكون بمثابة سوق لبيع الكتاب فقط كما يحدث في الغالب الأعم بالدول العربية. يخبرنا "المعلم" بما لا يترك مجالًا للحيرة أو سوء الفهم، أن الكتاب يمثل جرحًا مفتوحًا نازفًا إلى هذه الدرجة، حين يتحدث بألمٍ، ويأمل أن يأتِ الغد كي يضمد هذي الجراح. وهو يعي تمامًا أن معارض الكتاب تظل أهم وأكبر حدث ثقافي سنوي في مصر والعالم العربي، وما توافد الآلاف يوميًا عليه إلا دليل على ذلك. من هنا فإن انتقاداته للسلبيات إنما هي لحرص بالغ على أداء المعرض لدوره وصولًا إلى درجة الكمال. ولطالما أخبر أن هناك العديد من الخطوات التي لا بد من اتخاذها إذا عزمت أي بلد على إقامة معرض يستحق الالتفات بالفعل. وهي الخطوات التي يرى أنها لو طبقت ستنقل المعرض العربي نقلة نوعية على طريق الأداء الراقي. مثل أن تكون هناك هيئة مستقلة أو شركة مساهمة متخصصة كتلك التي تنظم معرض فرانكفورت الدولي للكتاب -أشهر المعارض العالمية- هذه الهيئة المقترحة تحل محل هيئة الكتاب مثلًا، على أن تخصص كل الأرباح لتطوير المعرض وتحديثه دورة بعد دورة ويكون ذلك ضمن رؤية واضحة لدور المعرض فى خدمة الدور السياسي والثقافي للبلد على المستويين الإقليمي والدولي. هذا بالإضافة للتنسيق مع الجهات المعنية مسبقًا لتحديد موعد ثابت للمعرض لا يتغير مهما كانت الظروف. وأيضًا تنظيم حملة إعلانية على أساس علمي يصممها متخصصون في فن الإعلان والدعاية والترويج لجذب أكبر عدد من القراء وليس الاقتصار على دعاية الندوات والنشاطات المصاحبة. هذا غير تشكيل لجنة على أعلى مستوى وعلى غرار لجنة اليونسكو، بحيث لا تقتصر على الكتب المحلية، بل تشمل أيضًا ما يقدم من كتب عربية وأجنبية. وأيضًا إعادة النظر فى فعاليات وندوات وأنشطة المعرض حتى توظف لخدمة أهدافه الرئيسة وذلك من خلال التركيز على مناقشة وعرض أهم الإصدارات الجديدة عربيًا وعالميًا وبحث قضايا الإبداع ومشكلات النشر عبر التحاور مع رموز الفكر والثقافة وليس فرق الرقص ونجمات الإغراء ولاعبي كرة القدم!

وفي معرض حديثه عن الإصدارات العالمية، قال أن هناك إحجام من الناشر الأجنبي عن المشاركة في المعارض العربية بدرجة ما. وهو ما يستدعي أن ننظر لهذه المشكلة فى إطارها الصحيح وهو تفاعلنا مع الآخرين، إذ اللافت للنظر أن عدد الكتب المترجمة إلى العربية فى تناقص غريب، هذا يعد مؤشرًا خطيرًا إذا أخذنا فى الإعتبار أن أمريكا وإنجلترا أكثر الدول انتاجًا للكتب، هي الأكثر ترجمة من الثقافات الأخرى. فضلًا عن إعادة ترجمة كتب سبق وتمت ترجمتها إلى العربية أكثر من مرة، وهو أمر يدعو للسخرية حقيقةً، فكيف يضيع هذا الجهد هباءً، طبعًا لو افترتضنا عدم النقل من الترجمات السابقة وإصدارها في طبعات جديدة! الأمر برمته يحتاج إلى ضبط قانوني واضح وشعور بالمسئولية تجاه القارىء وما يحتاج أن ينقل إلى لغته بالفعل، لا لمجرد ازدحام الرفوف بعدد الطبعات والكتب. أضف إلى ذلك أن سعر الكتاب الأجنبي المتخصص يفوق – غالبًا – قدرات القارئ العربي كما أن المكتبات الجامعية فى مصر -على سبيل المثال- ينقصها الميزانية اللازمة لاقتناء أحدث الإصدارات العالمية التي يستبدلها أساتذة الجامعة بمقررات مدرسية يفرضونها على الطلبة، ولعل هذه الأزمة أحد الأسباب التي دفعتني للتفكير فى إصدار مجله شهرية تعرض بانتظام لأحدث الكتب الصادرة في العالم وتهتم بتيارات الفكر وتلقي الضوء على أكثر من 5% في سوق مبيعات الكتاب العربي، وسوف يقوم كتاب متخصصون بمراجعة تلك الإصدارات حتى يزيدوا من عمق نظرة المؤلف. لعل الحديث في أمور كهذه قد يطول عن مساحته، وهو حديث حزين وربما مؤلم أيضًا بالنظر لأحوالنا. لكنه يستدعي التوقف لبرهة بالضرورة عند مسألة المعارض العربية في ضوء النشر العالمي. كما سنحاول في الفصول القادمة مناقشة الكتاب العربي بكل تفصيلاته بكثير من الجدية والوضوح، ليس رغبة في تجميل الصورة، ولا فضحها بطبيعة الحال، وإنما رغبة صادقة في اجتلاب غدٍ أفضل للأجيال القادمة، بكثير من العلم والعمل.

لا شك أن أكبر معرض عربي للكتاب هو معرض القاهرة وهو أهم حدث ثقافي وشعبي ننتظره کناشرین كقراء، بيد أننا نأمل أن يكون التطور أسرع والانفتاح أفضل حتى نصل إلى المستوى الدولي في التنظيم ومن خلال الأهداف المرجوة، وعن طريق تحسين الخدمات وطرق العرض والدعاية وخدمة القارىء. وأن تكون الندوات حرة ومركزة وعميقة بدون تكرار، لا يهم فيها العدد، إذ الأهم على الدوام هو المحتوى؛ فالمعرض معرضًا للفكر وليس للحكومات ولا شك أن المعرض يتطور ولكننا نأمل فى تسريع إيقاع التطوير لنصل إلى ما هو أفضل بالطبع. أما اتحاد الناشرين العرب، فقد تأسس عام 1995م. بهدف حماية حرية النشر والحق فى التعبير وقد نجح "المعلم" وأثناء رئاسته للاتحاد، في جمع الناشرين العرب وإحداث تواصل وتعاون وعمل مشترك بينهم للإرتقاء بمستوى المهنة وحل المشاكل. بالإضافة لإحراز خطوات هامة لحماية حقوق الملكية الفكرية لأنها جريمة منظمة تضر بالثقافة إجمالًا. ومنع مَن تثبت عليه هذه الجريمة الاشتراك في المعارض العربية ومازال يسعى لتفعيل المزيد من الآليات للقضاء على هذه الجريمة، ولو بعيدًا عن مقعد رئاسة الاتحاد . هذا وقد حاول إقناع وزراء الثقافة العرب بإلغاء الرقابة على النشر، لكن للأسف بدون جدوى! فالبعض مازال يرى الرقابة نوعًا من السيادة! كما قام بتحسين المعارض العربية واشتركنا مع معرض فرانكفورت الدولي ومازال هناك بعض السلبيات التى أرجو أن يواجهها الاتحاد على الدوام وأن يسانده الإعلام الذي يكتفي عادة بالتصفيق والتهليل للبيانات الحكومية مهما حوت من مهازل واضحة وضوح الشمس.

قيام الحكومات بتنظيم معارض الكتاب بعقلية بيروقراطية وأجندات سياسية وتوجهات حكومية وهو عكس ما يحدث فى العالم حيث المعارض مهنية وفكرية وتمثل الثقافة ومهنة النشر بأبعادها المختلفة وما يتبع ذلك من حرية وسرعة حركة وتحسين للخدمات دون أجندات مسبقة. كما يذكر أنه حتى فى دول الكتل الشرقية مثل الصين فإن اتحادات الناشرين هي التي تنظم المعارض. ولكن الدول العربية أو معظمها على الأقل تخشى من الانفتاح الثقافي والفكري وتفضل التدرج البطئ ضمانًا لما تريد الحفاظ عليه. وقد حرص أن يكون جزءًا من حركة النشر الدولي وأن يكون حلقة وصل بين الناشرين العرب والأجانب، فامتلك أجنحة مشتركة فى المعارض الدولية وحصل من خلالها على جوائز، وحتى أصبح عضوا مهمًا فى مجلس إدارة اتحاد الناشرين الدولي. إلا أن هذه السلبيات تعتبر مؤشر جاد وحقيقي، وينبغي الالتفات إليه إذا أردنا التغيير فعلًا، مؤشر لا يعكس سوى أن هذه الحضارة العربية أصبحت حضارة مأزومة فكرًا وثقافة في المبدأ الأول، الذين ينعكسا بدورهم على محاور أخرى، اقتصادية وسياسية وغيرها.

ففي رأي "المعلم" أنه توجد مشكلة في مصر وبعض الدول العربية حيث يتوهم عدد من الصحفيين والكتاب أنهم احتكروا الثقافة ويتصرفون على هذا الأساس ويصدرون بيانات بعنوان نحن المثقفين وخلافه! والحقيقة –حسب قوله- أنه ليس كل من كتب يعد مثقفًا وليس كل مثقف يتعاطى الكتابة. فمنهم أطباء ومهندسون وفلاحون وعمال. ومعظم المثقفين أصحاب مواقف محترمة ولكن يوجد أعداد منهم تهتم بمصالحها فقط وأصواتهم أعلى وتهتم بعض الحكومات العربية بتوطيد علاقتها بهم لتحولهم إلى موظفين لتنفيذ توجهاتها لقاء مزايا عينية وأدبية. كما أنه لا توجد احصاءات دقيقة عن عدد القراء العرب، بالإضافة أن القراءة ربما ليست عادة عربية. من هنا أشير إلى وجود فارق بين القراءة والاقتناء ويمكن تشجيع القراءة من خلال مضاعفة أعداد المكتبات العامة في المدارس والجامعات وفي المدن والقرى وتخصيص ميزانيات جيدة لها، كي تستطيع اقتناء الجديد والجيد بصفة مستمرة وليس أثناء الافتتاح فقط مع الاهتمام بالتدريب المهني لأمناء المكتبات حتى يستطيع من لا يقدر على الشراء الاطلاع مجانًا، وسيوفر ذلك ضمانة ثابتة للناشرين والمؤلفين الجادين حتى يستمروا في تحسين البحث والإبداع والمعروف أن المكتبات العامة عنصر مهم من عناصر الثقافة والتقدم وحماية الفكر فى كل الدول المتقدمة كما أشار في فقرات سابقة. امتلك "المعلم" طموحات وأحلام كبيرة، كرئيس لاتحاد الناشرين العرب؛ فقد أدى كل ما استطاع أن يمنحه من وقت وفكر واتصالات طيلة ١٢ عامًا. ثم قرر التوقف وعدم الترشح مرة أخرى، ليكمل مسيرته في العطاء بعيدًا عن موقع الرئاسة. وقد استطاع مع زملاؤه في الاتحاد التقدم بالمهنة إلى الأمام وجاء الدور ليقوم مجلس إدارة جديد بمواصلة المسيرة وعليهم السعي لمنع الرقابة على النشر ولتحقيق المزيد من حماية حرية الملكية الفكرية وتحسين المعارض العربية وتطويرها. أما أحلامه كناشر فلا حدود لها، فهو أكمل مسيرة النشر التي بدأها والده عام ١٩٤٢م في واحدة من أهم دور النشر في العالم العربي وقام بالنشر لعدد هائل من الكتاب والمثقفين العرب. إلا أنه يرى المكتبة العربية مازالت شبه خاوية في معظم المجالات. فالدول الكبرى تصدر في العام نحو ٦٠ ألف كتاب وجميع الدول العربية تصدر ما بين ۲۰ و ۳۰ ألف كتاب! أحلام كبيرة، لرجل كبير قيمة وقامة، جميعها تتبلور حول الفكر المنفتح ونشر الثقافة والوعي بشكلهما الأعمق والأكثر رسوخًا في وجدان الأمة. سواء أكان في صورة كتاب أو برنامج تليفزيوني أو فيلم وثائقي. كما يحلم بالانطلاق في كل المجالات، ويحاول مع الآخرين تحسين مستوى النشر بكل أبعاده وانطلاقاته. غير أن الحديث عن المعارض العربية والكتاب العربي، وأزمة هذه الثقافة الكبيرة والتي تراجعت كثيرًا عن دورها العالمي في العقود الأخيرة، ولو لا تزال أمامها الفرصة للحاق دول العالم الحديث، بالأخص وأن هناك بعض المؤشرات الطيبة في هذا الأمر، ولنلق نظرة على تطور حركة النشر بالرغم مما تحتويه من سلبيات جمة وتحتاج إلى تعامل فوري حقيقةً، غير أنها في الوقت نفسه تعطي بعض الأمل، المعارض العربية تطورت عما سبق، وحركة الترجمة أيضًا وكتاب الطفل وحتى حركة النقل من العربية إلى اللغات الأخرى. وهو يعتبر مدخل مناسب أيضًا لحديث أكثر استفاضة وتنوع وتفصيلات جوهرية تساعد في فهم الواقع عن كثب، واقع النشر، وواقع الثقافة والإبداع العربين، وربما منه نستطيع أن نرى بوضوح ما آلت إليه الرغبة والنداء المستمرين بالحرية في الإبداع والكتابة والنشر وغيرها، ولو ما تزال بعض هذه الحريات مجرد أحلام، لكن ربما عساها تتحقق يومًا ما.
>