النشر في العالم العربي

لعل الوقوف عند عنوان هذا الفصل يسمح ببعض التأمل، أو ربما ما تمثله العبارة من مفتاحية لأفكار متعددة، أو ما تثيره من شجون كثيرة يرتبط بها "المعلم" جذريًا، وهو المشغول أولًا بحال الثقافة والكتاب ببلده مصر، ثم في أوطانه العربية، ثم بضرورة نقل هذا الإبداع إلى العالم الخارجي، كي نقول أننا هنا، آلاف الأعوام من الحضارة والرقي، ولو تخلفنا لبعض الوقت، فلا شك أننا سنعود نسابق الريح من جديد!

وربما لم يكن الحديث عن النشر في العالم بالفصل السابق، سوى بوابة واسعة لأحلام ورؤى بالغة التعقيد والبراءة في آن، بالأخص حين الحديث عن النشر في عالمنا العربي، وهو ما يستلزم قراءة واعية للمشهد الثقافي العربي وما يمكن أن يواجهه من عثرات تستدعي التفكيك والتحليل والعمل البناء، والكثير من التطلعات بالطبع. وهو ما يعنيه الحديث ليس عن النشر مبدئيًا ولكن عن حال الثقافة بعامة، أي عن سؤال الغزو الثقافي، وما يعنيه أولًا من انبطاح حضاري، وهو الخوف القادم من هناك، باعتباره غريب عن هنا أيضًا. ثم في وضع ظاهرة الشعوب العربية التي لم تعتد حتى الآن فعل القراءة تحت المجهر، وعن القراءة باعتبارها فعل هدم، هدم لكل المعاني والأفكار السلبية أو الأسطورية عن الحياة والبشر والأشياء. والعواصم الثقافية بالطبع، وما يمكن أن يتولد عنها من أسئلة عن النشر العربي وكتاب الطفل والكتاب الجامعي باختلاف تلك العواصم، أو المثقفين أيضًا طبقًا لهذا التباين الجغرافي والسؤال عن الوجود.

ولعل كل هذا يتوج بالنهاية في رواية المعلم عن مشهد المعارض العربية للكتاب والفنون باختلاف أشكالها وأدواتها. وأيضًا عن حالة النقد التي تثري الكتابات الجديدة والتي هي المعول الأساسي لتلاقي الناشر مع المبدع من دون وساطة غير هذا الإبداع نفسه، متجاوزين معًا ما تحمله كلمة وساطة من معاني مثيرة للإشمئزاز أحيانًا، ومعزين بداهةً كل فساد سياسي واقتصادي وثقافي إلى تلك المعاني نفسها، وإلى احتلال من لا يستحقون لمسؤوليات لا يدرون عنها أي شيء.

وبغض النظر عن هذا الصراع، فهناك مساحات مضيئة أحيانًا، ما يعني الرغبة الجمة في التشجيع على المكتبات العامة، التي يفتقدها العالم العربي في غالبية مدنه وبلدانه بعيدًا عن مراكزه الحيوية، وكأن الأطراف كتب عليها التهميش والاقصاء أبدًا. هو ما يستدعي حالة من الشجن والحزن أحيانًا بالنظر لغياب فاعلية الثقافة والمثقفين والدولة بكافة أجهزتها المعنية عن تلك الأطراف. إلا أن بارقة الأمل ظهرت في شكل مكتبة الأسرة بمصر علىى سبيل المثال، التجربة التي تستحق التكرار، ولو بها من الأخطاء أو إن شئت الخطايا لكنها أفضل من العدم والموات على الأقل. والأخيرة تحتاج حديثًا أكثر من هذا، نستدرج خيوطه لدى "المعلم" في الفصل القادم وأثناء الحديث عن النشر في مصر.

نبدأ رحلتنا مرة أخرى مع المهندس إبراهيم المعلم، كونه فاعلًا رئيسًا في السياق الثقافي العربي، الذي لم يكن حديثه بأكثر من مناسبة عن الفن العربي وعن معركة السلام، وكل هذه التداعيات التي حدثت على مسرح الشرق الأوسط، والتناقضات التي نفكر بها، وهو يجعلنا نقول بدايةً كيف يمكنها –أي المشكلات- الحدوث مع أن هناك اتفاقيات عالمية لها كل احترامها الدولي؛ إلا لنقول أن حياتنا تنمو وتمضي، ومن المستحيل أن تتوقف، وضرب مثالًا بأننا في وسط هذا كله أعلنا عن مهرجان قرطاج السينمائي، وكان حديثه مع السيد يوسف المقدم سفير تونس بالقاهرة حول هذا المهرجان كمدخل إنساني وفني لمجريات الحديث الأخرى عن السلام وغيره. أما استكمالًا لحديث الفن فإننا نستكمل حديثنا عن الفكر؛ الفكر العربي لأن ما يصنع العقول، والوجدان هو الفكر، الكلمة، وهو المعبر الأول لأرض الفنون والحضارة والتقدم. ودائمًا ما كنا نقول عن الصراع؛ صراع الفكر بين الأديب والدين، وكنا نتحدث عن الصراع بين الثقافة العربية، والثقافات الغربية وروافدها، غير أنه في رأي المعلم، ربما يجب علينا أن نمحو كلمة "الصراع"! لنحل بدلًا عنها التفاعل، التوافق، لأننا في عصر النجاة فيه مرهونة بسلامة الجميع؛ فلا يمكن أن تختص ثقافة بشئ غير ملامحها الأصيلة، وفكرها، وعطاءها الإنساني الذي لا بد أن يتحد، ويمتزج، ويتوافق. وكما أن الثقافة العربية تُقدم من خلال الكتاب، الذي هو أقدم صور المعرفة وأعرقها، واليوم يشهد أكثر من معرض كبير، ويشارك في أكثر من مؤتمر، ويخرج للعواصم العربية، والعواصم الأوروبية، ويقول: هذا هو الفكر العربي، رسالة، وعلمًا، من رئيس اتحاد الناشرين العرب السابق، وفي مناسبة عودته من جولة بمثل هذه المواقع التي تثري الفكر العربي؛ ومن خلال نشر الكتاب العربي. نقول له عن ثمرة الحركة الأخيرة سواء في المعارض، أو في المؤتمرات؛ وهو ما يعكس بطريقة لافتة القدر الذي نأمله من الإهتمام بالكتابة العربية. يقول المعلم: في الحقيقة فإن هذه المقدمة تعبر عما يجيش في صدور الكتاب، والناشرين العرب، وتعبر كذلك عن المجالات التي كنا نبحثها، ونتناقش فيها. والحقيقة بالفعل أن الحياة لا بد لها أن تمضي، وأننا مقبلون على عصر هو عصر العلم؛ أو قل أننا نشهد بالفعل عصر العلم وقوة التكنولوجيا! فالمعرفة تعني القوة، والعلم يعني القدرة، ولا بد من بناء إنسان عربي قادر على مواجهة متطلبات العصر، وعلى مجابهة تحديات المستقبل، ومن أهم عناصر بناء هذا الإنسان؛ هو الثقافة، والفكر، والكتاب ما يزال مفتاحًا رئيسًا في البناء الثقافي للإنسان، الذي هو أساس التنمية البشرية، والأساس الحقيقي لكل أنواع التنمية. حتى أن الأرقام العالمية تقول ذلك ورغم كل وسائل التقنية الحديثة، والإنترنت، والكمبيوتر، والكتب على الأقراص المدمجة؛ فإن الكتاب المطبوع لا يزال ينمو ويزداد، حتى أن آخر إحصائيات في آخر معرضين في أمريكا، وألمانيا قالت أن عدد الكتب المباعة المطبوعة على الورق؛ قد زادت ما بين 8 % إلى 10 %، وفي العالم العربي؛ لدينا نوعًا ما من النهضة. يقول: فإنني وفي عودتي بعد جولة في أربعة معارض عربية، معرض في دمشق، معرض عربي ودولي، ومعرض في ليبيا؛ معرض عربي ودولي، وكذلك في عمان؛ معرض عربي ودولي، وكنت في معرض فرانكفورت الدولي؛ أكبر معرض في العالم، وفيه تكثيف للتواجد العربي، والمصري، وتعاون بين الناشرين العرب جميعًا، وانفتاح على العالم لكي نأخذ ما يفيدنا، ونعطي كذلك ما نستطيع اعطاؤه، ولأول مرة في السنوات الأخيرة؛ كانت هناك كتب من مصر؛ كتب عربية فازت بجوائز في مهرجان فرانكفورت الدولي للكتاب. وبالطبع فإن الحديث عن سياق العرب الثقافي بما يشمله من متغيرات أساسية تسهم في التحول سلبًا أو إيجابًا لا يزال يحتاج إلى مؤلفات عديدة، وليس هذا موضعها بكل تأكيد، بل إننا لم نرد غير التنبيه أن هذا السياق بكل معطياته يحتاج إلى التفكيك والرؤية بوضوح، إذا أردنا فعلًا أن نحذو جانب الدول المتقدمة، ليس بالكلام فحسب، بل بالعمل، والعمل وحده. إلى أن هذا يستدعي بالضرورة سؤالًا آخر عن تلك النظرة المتلهفة للتقدم مثل تلك الدول البعيدة عنّا، يعني سؤال الغزو الثقافي لدول العالم الثالث أو الفقيرة نسبيًا، اقتصاديا وثقافيا، ما يجعلها عرضة للتأثر بعادات وثقافات وعلوم دول ومجتمعات أخرى تحقق شرط التقدم والحضارة، وهو سؤال يبدو على بساطته صعبًا للغاية، وإلا فكيف تنقل إليك علوم وثقافات مجتمعات أخرى، من دون أن تقع في حبائل تقليدها الأعمى؟!

لعل الحديث بداية عن السياق الثقافي العربي، بالأخص خضوعه بطريقة ما لتقدم دول أخرى، ثقافتها، عاداتها، لا شك أن هذا يجعله عرضة للتأثر الكبير، أو كما قيل في الأثر: المغلوب دائمًا مولع بتقليد الغالب! صحيح أن الأمة العربية ليست مغلوبة حرفيًا، إلا أن من ينكر تأخرها عن دول أخرى سيكون يضاد حقيقة واضحة للغاية ولا تقبل مراءاة. هو ما يعرج عليه "المعلم" سريعًا، باعتبار أن نقطة التأثير والتأثر جوهرية للغاية في سؤال الحضارة بمجملها، وهو ضلع أصيل في مكون السياق الثقافي لأي دولة. وفيه معرض حديثه عن الثقافة في عمومها، أفاد "المعلم" أنه تم كسر تعريفات الغزو الثقافي عن طريق وسائل الإعلام المختلفة. لكنها لم تخرج على كونها اختراق خارجي يهدف إلى السيطرة الشاملة على الشعوب المستهدفة للغزو. ولا شك ان الشعوب العربية وفي مقدمتها مصر؛ من أكثر شعوب الأرض استهدافًا للغزو الثقافي. ويحسب أن أهداف الغزو الثقافي لمنطقتنا العربية والإسلامية تركز على تفتيت الوحدة القومية والولاء، وربما التدين الصحيح، بالإضافة إلى خلخلة الاستقرار الاجتماعي، وأيضًا تشويه صورة الإسلام وتاريخه وهدم اللغة العربية والتشكيك في الإخلاص الوطني. كما يعتقد أن الإعلام المصري بدأ يتنبه إلى خطورة هذا الغزو. وبدأت ثمار هذا التنبه تتضح في أكثر من خطوة إيجابية للمواجهة. كما تحقق ما يسمى بالأمن الثقافي الذي يقوم على الحفاظ على مقاومات الثقافة العربية في ابعادها ومجالاتها ومظاهرها لتتابع دورها القومي. ومضمونها الإنساني ومسئوليتها الحضارية المعاصرة. والمشاركة الفعالة على المستويين القومي والعالمي. لقد تأكدت الخطة الإعلامية في ضرورة الحفاظ على اللغة العربية باعتبارها ركنًا من أركان الهوية العربية فشجعت الأعمال الفنية للكبار والصغار المكتوبة بالفصحى، وطالبت الكتاب بهذا المستوى الجيد المستمد من تاريخنا وحضارتنا وديننا. كما تأكدت في الوصول إلى كل مكان على خريطة مصر. فلا فرق بين من يقطن المدينة العاصمة، ومن يقطن أقصى حدود الصعيد. وأصبح لدينا قنوات تليفزيونية تغطي كل مساحة مصر. وشبكات إذاعية ترضي جميع المستمعين. بالإضافة إلى برامج منوعة بين الثقافة والترفيه. ولعل هذا التأثير قد زاد بالأخص بعد إطلاق القمر الصناعي المصري. كما أن البنية الأساسية لمقاومة ومواجهة الغزو الخارجي قد أعدت بدقة. وارتفع عليها بعض الطوابق التي تؤدي مهمتها بإخلاص من أجل تحقيق الأهداف الإعلامية السامية. زاعمًا أن السيد وزير الإعلام ورؤساء القطاعات يبذلون جهدًا خاصًا في توجية هذه الدفة إلى شاطىء الأمان. وأنهم أيضًا في حاجة إلى هؤلاء الكتاب الذين يتفهمون هذا الدور في مواجهة الغزو الخارجي. فيقدمون أعمالهم التي تسهم في دفع هذه البنية إلى المرتبة اللائقة. ولعل المتلقي مشاهدًا أو مستمعًا أو قارئًا – أمام هذا الجهد المتنوع – ليس في حاجة إلى الإستجابة لما يتلقاه من هذا الغزو، وليس معنى هذا أن تحجر عليه في المشاهدة أو الاستماع؛ لكننا نطالبه بالموازنة والتنقية والاختيار بقدر ثقافته وفهمه؛ فيضيف إلى عقله ووجدانه الكثير ويرفض ما يراه سلبيًا على فكره وحياته. وهذا الدور لا يقل أهمية عن دور الرسالة الإعلامية نفسها. الأمر الذي ينقلنا حتمًا إلى سؤال أعم وأشمل على مستوى الثقافة في عمومها، أي عن سؤال ما الذي يصنع الثقافة الحقيقية؟ أو ما يساهم بشكل جذري في تعمقها وتأثيرها، وربما تصديها لمثل هذا الغزو لو صح التعبير، أي إلى القراءة أولًا، باعتبارها فعل مقاومة بدايةً! هل نحن –العرب- شعوب قارئة فعلًا، أم أن كل هذه الفاعليات الثقافية لم تعد أكثر من كارنفالات إعلامية لا تسهم بشكل حقيقي في التثقيف وزيادة الوعي، هذا ما نحاول اكتشافه مع المهندس إبراهيم فيما يلي.

وكما أشار المعلم بأكثر من موضع، هنا وفي أحاديث أخرى، فإن أزمة الثقافة العربية تكمن أولًا في عدم القراءة، أو قل أن القراءة لم تصبح بعدُ عادة أصيلة في أمة أقرأ، أو لعلنا تراجعنا عن حضارتنا وثقافتنا الكبيرة وهذا أمر مفهوم طبقًا للقانون الطبيعي في الشباب والهرم، أو قيام حضارات وخفوت أخرى، إلا أن ما نود التأكيد عليه هو أهمية القراءة باعتبارها المحور الأهم في سياق الثقافة العربي، وهي المعول الأول للبناء والتحضر والنهضة المتكاملة، بما فيها من تقدم اقتصادي وتبني قيم إنسانية مثل التسامح وقبول الآخر المختلف على الدوام، وعلى الدوام يأكد "المعلم" على أهمية القراءة! فيما حاول بأكثر من موضع أن يقول شيئين: أولًا أن القراءة لم تصبح عادة، ولا بد أن يكون هذا هو الهدف الأول الذي نسعى إليه، وبالفعل فقد بدأ في عدد من الدول العربية يصبح هناك وعي بذلك؛ ففي مصر مثلًا هناك الحملة القومية التي قادتها السيدة سوزان مبارك من أجل القراءة للجميع منذ عقد من الزمن، ولو لم يتجدد بعثها، إلا أنها كانت تجربة مميزة، وقد تضافر معها كل الناشرين وعدد كبير جدًا من المؤلفين، وبدأ أيضًا في سوريا في وقت من الأوقات، وغيرها من الدول التي بدأت في القيام بحملات توعية وقراءة ومشروعات قرائية مثل التي تحدث الآن في بعض الدول الخليجية أيضًا، وجوائز القراء تعطي تحفيزًا بالغ الأهمية في التشجيع على القراءة للجميع. وكذلك في الأردن بدأت حملة مماثلة، وستبدأ كل الدول العربية في إدراك أن هذه هي النقطة الأساسية. في الحقيقة أن هناك أرقامًا مخيفة؛ إلا أنها لا تصيبنا باليأس أبدًا، وإنما تعني أننا سوق بكر؛ سوقًا لم يتم اكتشافه بعد بالنسبة للقراءة. وأما بالنظر لكوننا أصحاب حضارة فكرية قديمة، ومركز اشعاع ثقافي وتأليف في مختلف العلوم والمعارف، واليوم نقول أننا لا نقرأ بالقدر الكافي! فهذه هي المعضلة الكبرى في رأي "المعلم"، وبالطبع كنا المركز الأول في العالم، وقد عرفنا الكتاب قبل غيرنا، كانت الدنيا ظلامًا حولنا، ولقد عرفنا الكتاب، وقيمته، وقيمة التأليف، وقيمة الإبداع، ثم توالت عصور الهزيمة، وعصور الإنحطاط التي مرت بنا، وعصور التمزق، وهذا الذي شكل أننا الآن في مرحلة تحول كبرى في العالم العربي، نبحث عن أنفسنا من جديد، ونلتمس أصالتنا من جديد، مع النظر إلى المستقبل، وإلى الواقع، فأظن أننا في بدايات نهضة جديدة، وأنه بدأت تكون هناك زيادة ملموسة في عدد العناوين الجديدة في الإبداع؛ لكنه ما زالت هناك الكثير من العقبات مثلًا؛ هناك أكثر من عشرين رقابة تزيد، وتتضارب في تعطيل الكتاب؛ فتحد من الإبداع، وتؤخر الوصول، وفي هذا العصر؛ وهو عصر القنوات الفضائية، والكمبيوتر، والفاكس، والإنترنت، عصر حرية المعلومات، عصر حرية انتقال الفكر؛ فقد أصبحت القراءة مقروءة إلكترونيًا ولا تحتاج لفتح كتاب بدرجة معقولة نعم، إلا أنها لم تمحي الكتاب الورقي بالطبع كما أشار "المعلم" مسبقًا. والمؤشر الطيب أن هناك بعض الدول العربية والخليجية تحديدًا قد بدأت بالفعل في هذا الإتجاه، الذي لا يوفر العلم مجانًا فحسب؛ بل إنه يحسن كل اقتصاديات النشر، والتأليف. يقول: كنت ذات مرة مع ناشر أمريكي كبير، يقوم بعمل موسوعة أطفال، ويقوم بعمل نسخة منقحة منها بالكامل كل أربع سنوات في عشرين مجلدًا، فقلت له إن هذه تكلفة هائلة، وجهد كبير؛ فقال: في الحقيقة أنا عندي طلب ثابت من المكتبات العامة؛ مائتين وثمانين ألف مجموعة كل طبعة جديدة، فما معنى ذلك؟! معنى ذلك أنه حافز للمؤلف والناشر معًا؛ أن يُجَود كل منهم عمله، ويواصل الإبداع، وفي نفس الوقت تتحكم بنوع ما في عمق وجدية التأليف، لأن المكتبات العامة تشتري الجيد، والمفيد، والذي يستحق الشراء، وهنا؛ كأنك تدعم العملة الجيدة، وتحسن اقتصاديات النشر، وتعمل على ازدهار حركة التأليف. وهو ما ينقلنا بدوره إلى غياب الحوافز الذي يفسر لنا لماذا نجد عددًا محدودًا من دور النشر العربية؟ في الحقيقة أن هذا يفسر الأمر تمامًا، حسب رأي المعلم، إلى جانب شيئين آخرين؛ في معظم الدول العربية، ومجال النشر في العالم كله، هناك ما يسمى مجال النشر الثقافي العام، الكتاب العام؛ القارئ حر في أن يشتريه أو لا، لكن هناك مجال كبير جدًا؛ بل يكاد يكون الأكبر، وهو نشر الكتاب المدرسي، ونشر الكتاب الجامعي؛ ففي العالم كله؛ الكتاب المدرسي لا تنشره الحكومات، لأن الكتاب المدرسي لا بد أن يكون فيه قدر هائل من الإبداع، ومن التجديد، ومن دفع الطفل، أو الطالب إلى حب الكتاب. أو قل أنه قدر من التشويق! يفتقد صناعته الموظفون لدى الحكومات! تمامًا، ويحتاج إلى الخبرة المخصصة؛ فالوزارات هناك تحدد المناهج، وتنظم مسابقات بين الناشرين، وتختار الأحسن، والأجمل، والأرخص؛ في هذا المجال. حتى أن قديمًا كان هناك مجال للقراءة الحرة، أما الآن فلا يوجد لها مكان، وقد يكون هذا مدخلًا لأننا نحتاج في العالم العربي كله؛ إلى تغيير طرق، ومناهج التعليم؛ فمسألة الحفظ، والتلقين، والكتاب الواحد؛ أصبحت لا تتماشى مع العصر. يقول المعلم: وربما يسعنا تذكر أن آباءنا؛ ووالدوا هذه الأجيال كلها؛ تربوا على سور الأزبكية، والكتب القديمة. وكان لديهم مكتبات عامة كثيرة نسبيًا. وحتى في مجال الدراسة؛ كان هناك مجال للقراءة الحرة. هذا غير المكتبات التي كانت في البيوت. ولا يخفى على أحد أن القراءة الحرة، وتعلم أن هناك أراءً مختلفة، تفيد بضرورة أن تحترم الرأي الآخر، وديموقراطية التعليم. هذه كلها عوامل من المهم تضافرها، لتجعل الإنسان قادرٌ على مواجهة التحديات، ويكون عاملًا في القضاء على التطرف، فعندما يكون نظام التعليم يبني قيم التسامح واحترام الآخر، لن تجد للتطرف منفذًا بالطبع. بالإضافة لشعور المواطن بالمسؤولية، والمشاركة والإنتماء وكل شيء مشابه. هو ما تباحثه "المهندس إبراهيم" سابقًا وعناصر أخرى مع السيد عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق، وأعاد التأكيد عليه مرارًا وتكرارًا. قائلًا: الحقيقة لقد أجرينا عدة لقاءات، وأطلعنا السيد عمرو موسى على كل مشاكل الإتحاد وعلى أهدافه، وكان تعليقه على أول هدف وهو؛ الحفاظ على قيم الحضارة العربية الأصيلة، وحمايتها، وتعميقها، حيث قال: "لا ليس هذا كافيًا، نحن نريد أن يكون لكم المبادرة فيها، وأنتم الذين تقومون بدور هائل في بعثها من جديد، وفي توحيد الجهود". والحقيقة أن الكتاب العربي مهما كانت ظروفه؛ كان دائمًا عامل توحيد، وعامل تأصيل، وعامل بناء في العالم العربي، حتى أنه في أحلك ظروف القطيعة؛ كان الكتاب العربي متصلًا؛ ومهما كانت الرقابة والظروف، فإن أسرة النشر في العالم العربي كله؛ تعتبر أسرة واحدة، لأن الكتاب الناجح في أي بلد؛ سواء كان مصريًا، أو لبنانيًا، أو سوريا؛ فهو يتخطى الحدود، ويصبح فقط كتابًا عربيًا، فالكتاب له لغة واحدة هي اللغة العربية، أما الفنون الأخرى فلها لغات مختلفة، ولهجات مختلفة؛ إلا الكتاب العربي، في تأليفه، وفي توجهه. ومن الحديث عن واقعنا الثقافي وتحدايته، إلى غياب القراءة كعادة أصيلة يفترض بها نقل جموع المواطنين من فخاخ التقزم والتخلف والظلام إلى نور العلم والمعرفة والتحضر، وفي غيابها تتكثف عادات الجهل والرجعية، الأمر الذي لا بد من الانتقال منه إلى نقطة أكثر خصوصية، أي إلى الكتاب بوجه عام، شراؤه تبنيه، العمل على توفره، التأكيد على أهميته بداية، كل هذه أسئلة يؤثر المعلم طرحها ومحاولة الإجابة عليها، ولو أن الإجابة ليست هي المراد على الدوام، تارك للأسئلة أن تفصح عن نفسها بنفسها، أو تاركًا لجموع القراء أن يجيب كل منهم إجابة تعبر عن نفسه هو، عن أزمته الحضارية.

تأتي أهمية الكتاب انطلاقًا من الرغبة الجمة في التشجيع على القراءة، وهو المكون الأساسي لتحقيق أي تنمية سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو كلاهما، وهو ما يتبعه بالضرورة محفزات تجوب البلاد طولًا وعرضًا تهدف للتثقيف والبناء، وهو ما يظهر جليًا بكل تفصيلة في هذا الوطن أو ذاك. إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة المشتهاة، إذ لم تكن كل البلاد رهينة تلك الرغبة في التثقيف، ولم تكن كل البلاد ممثلة في حكوماتها وأطراف كثيرة تمتد بين الشعوب على مستوى التنظير ووضع عناوين مناسبة لكل مرحلة من مراحل عمر الحضارة في بلد ما، أي أن هناك بعض البلاد تهدف للتجهيل المتعمد، فضلًا عن محاربته! عندما لا تكتب، وعندما لا تقرأ! الأمر الذي بدا عجيبًا للغاية، أن يكون هناك بلد لا يهتم بالكتاب ولا يشتريه أو يفكر في شرائه إلا في معرض سنوي فهذا أمر لا يعرفه العالم! ويبدو الأمر أعجب أكثر إذا رأينا أن هناك بالفعل بعض دور النشر التي تأخذ على عاتقها هذه المهمة من دون حكومات كثيرة، وقد نجحت في هذا الدور نجاحًا كبيرًا، حتى أن اللغة العربية وهؤلاء الناشرون العرب الذين يهتمون بهذه الكتب العلمية باتوا ينافسون الآن أرقى الكتب الصادرة في الخارج في العالم أجمع. ومن هنا يرى إبراهيم المعلم أن النشر رسالة لكي تتم لا بد أن يصل صداها إلى جميع المهتمين بالكتاب والفنون. فإذا أصدرنا بالعربية كتبًا ذات مستوى عال في المحتوى والمضمون وفي الإخراج والتشويق لا بد أن نعمل على وصولها إلى أكبر عدد من القراء. ولكي تصل إلى أكبر عدد من القراء يجب أن تكون كتب الأطفال على سبيل المثال قادرة على الوصول إلى كل المكتبات المدرسية، وأن تصل إلى الطفل الفقير قبل الطفل الغني وبالمستوى نفسه. وأن يكون هناك نوع من العرض أو النقد الإعلامي الذي يعرف الناس بصدور هذه الكتب. الجمهور الواسع في العالم العربي لا يقتني الكتب بالدرجة الكافية. فقط يطّلع الناس على الكتب في المعارض السنوية. ولا يوجد بلد متقدم في العالم يعتمد في البيع مجرد معرض سنوي، وكل هذا يدل على هشاشة علاقتنا بالكتاب وعجزنا عن اقتحام العصر وما يحدث فيه. كما أن بعض المعارض العربية أصبحت تهتم بالضوضاء الصحفية والإعلامية وبالمهرجانات أكثر مما تهتم بالكتب، وأحيانًا تستغل بعض الحكومات هذه المعارض كنوع من الدعاية والوجاهة للمسئولين. الأمر الذي من شأنه أن يعيد تذكيرنا بمراكز صناعة وبيع الكتاب الجيد، أي المراكز التي تهتم بضرورة تحسين خدماتها الدول، انطلاقًا من دورها الهام والحيوي في صياغة مفهومها الثقافي وفكرتها عن ذاتها وذوات عموم القراء فيها بما هم كذلك، وبما هم مواطنون في الدرجة الأولى، أول حقوقهم السماح بتداول المعلومات والسماح بالتثقيف والتشجيع عليه بمختلف الطرق والوسائل، إلا أن هذا وكما أن هناك مراكز/ عواصم ثقافية في العالم العربي تقوم بذلك، فهناك أخرى لا تفعل! دعنا نرى من خلال رواية "المعلم" ورؤيته!

وكما انتقلنا من الحديث بخصوص عدم القراءة، وبخصوص ضعف الكتاب العربي، والفرصة الكبيرة والذهبية في اللحاق بركب الدول الحديثة، ولا تزال الفرصة سانحة أبدًا لمن أراد، وعمل فعلًا لا مجرد أحاديث وشعارات براقة، خاوية. هو ما ينقلنا إلى الحديث عن المراكز/ العواصم الثقافية العربية، أهمية تنوع المراكز وأهمية كثرتها على العكس مما يبدو ظاهريًا من الرغبة في وجود عاصمة وحيدة للثقافة الأمر الذي يبدو أنانيًا وجاهل للغاية، بل على العكس كلما ازدادت العواصم الثقافية، كلما قويت اللغة العربية في الأساس، كلما أصبحت الحضارة العربية في أطوارها الأولى –لو بدأنا فعلًا- أقوى من تفكيكها وأعقد من محاولات هدمها المتوقعة على الدوام. هذا بينما يقول البعض -وليتنا نعرف الحقيقة- : أن صناعة الكتاب العربي خرجت من القاهرة! الأمر الذي قد يسعد الناشرين العرب؛ أي يسعدهم أن تكون هناك أكثر من عاصمة ثقافية في العالم العربي. ليس هناك شك في ذلك، ولكن هذا ما تقوله الأرقام. حيث تقول الأرقام أن القاهرة، أو مصر بمعنى أصح؛ تنتج حوالي من 45% إلى 50% من انتاج العالم العربي كله. ولو أن هذا الأمر يسعد كل مشتغل بالثقافة العربية. فمن غير المعقول أن يكون للثقافة العربية، أو للنشر العربي عاصمة واحدة أو عاصمتان أو ثلاث يقتصر النشاط الثقافي عليها وحدها. هذا ليس أمرًا ينبغي أن يُشجع عليه. قد يكون هذا الوضع - لو صح وجوده – ميزة لهذه العاصمة العربية أو تلك، ولكنه عكس ذلك في بقية العواصم العربية. إن ما يسعد العربي اليوم أن بعض العواصم العربية التي تأخرت نسبيًا في التأليف والترجمة والنشر قد لحقت الآن بالركب الصاعد، وبالركب العالمي في آن. وهذا جيد وبخاصة إذا كان إنتاج هذه العاصمة العربية أو تلك، إنتاجًا أغزر أو أحدث أو أفضل أو أشمل. والمهم أن يكون هناك تعاون بين هذه العواصم؛ حتى نشهد انتعاشًا ثقافيًا أعمق وأكبر وأكثر حرية وديموقراطية مع الوقت. ولعل هذا شيئًا طبيعيًا، إذ لا بد أن يكون هناك تنافسًا؛ لأن التنافس هو الذي يخلق التقدم؛ فمما لا شك فيه أن هناك حركة طباعة، وتوزيع نشيطة في لبنان، وهناك حركة نشر، وتأليف نشيطة كذلك في سوريا، كما أن هناك حركة نشر، وتأليف بدأت نشيطة للغاية في السعودية والخليج العربي، وكل ذلك لفائدة القارىء أولًا. لأن المكتبة العربية لا زالت فارغة من مجالات كثيرة جدًا، بالأخص من معطيات العصر، كما أننا لا نزال أسرى التأليف الأكاديمي. ولا نقصد بالأكاديمي؛ التأليف الجامعي، بل أيضًا الرواية الطويلة، وتلك القوالب التي توارثناها، بينما الأشكال العصرية من الكتاب، أظن أننا لم نقترب منها بالقدر الكافي. نحن ما زلنا في نوع من العزلة، ودليل ذلك أن حركة الترجمة في العالم العربي كنسبة؛ قد انخفضت، وهذا مؤشر خطير جدًا، لأننا لو نظرنا لبلد تدعي أنها البلد الأولى في العالم كأمريكا؛ فإن حركة الترجمة للغة الإنجليزية نشيطة جدًا، وكبيرة جدًا، لأنه لا بد أن يكون هناك انفتاحًا على كل اللغات الأخرى والأخذ منها. نعم، فالنسبة التي يترجمون بها؛ أكبر من النسبة التي نترجم بها نحن، بما لا يسمح بالمقارنة أصلا، ولدرجة أن هناك إحصاءً يقول أن جميع الكتب التي ترجمت منذ محمد علي باشا حتى اليوم؛ عشرون ألف كتاب في مائتي سنة، بالطبع هذه نسبة قليلة إلى حدٍ مخيف، وبالطبع ستجد نسبة كبيرة منها من الكتاب الجامعي؛ ومن هنا ضرورة أن يكون هناك انفتاحًا حضاريًا، وثقافيًا على العالم؛ لنعيشه، ونواكبه. وفي رأي "المعلم" ليس معنى أننا نعتز بأصالتنا، وبتاريخنا، وحضارتنا؛ وكنا نعيش في أزهى عصور القوة، والتقدم العربي، وكان هناك انفتاحًا هائلًا، وترجمة لكل الكتب، والحضارات الأخرى، أن نتقاعس عن إدراك تأخرنا والمكابرة في الاعتراف به وضرورة العمل الجاد فقط. ومن هنا لا بد أن تعود حركة الترجمة، والإنفتاح؛ وإلا سيكون ذلك انعزالًا عن العالم، وانكفاءً على النفس ليس له ما يبرره، والحقيقة أن هناك دورًا نذكره، وبصراحة؛ وهو أن الكتاب الجامعي أصبح لا يقوم بدوره الآن. وقد بات من المعروف بدهيًا أن قيام تلك العواصم لم يكن إلا تعبيرًا عن حالة من الحراك الثقافي المفقتد في الأطراف بطبيعة الحال، أي هو الأمر الذي يعبر عن محور آخر في سياقنا العربي بعامة، أي المثقف بما هو كذلك، المثقف لأنه اللبنة الأولى في البناء، سواء مشروعه كقارىء محتمل على الدوام، أو كاتب محتمل على الدوام، أو كلاهما. غير أن المثقف العربي يمر بمخاض عثر منذ عقود، يقول المعلم: أنه يتكلم أكثر من لغة، للعمل وللكتابة وللتعريف بما كتب وفي حديثه مع المسؤولين، وذوي عشيرته وأهله، ولغة للحبيب/ة، كل هذه مواضع لاستخدام لغات مختلفة ومفردات بالغة التباين والتضاد أحيانًا، ما يستدعي وقفةٌ ليس للإدانة، وإنما محاولة للفهم، ولرؤية ما يتبع ذلك من نتائج قد يكون بعضها جيد، وقد لا يكون!

يقول المعلم: في الخمسينيات من القرن الماضي زار الدكتور طه حسين بيروت فبهر بالنشاط الثقافي فيها. وبسبب هذا النشاط قال يومها كلمته المشهورة: «بيروت هي الآن عاصمة الثقافة العربية لا القاهرة». ولكن بصرف النظر عن الأسباب الموجبة للعميد في قولته هذه، فلا شك أن بيروت قد زاحمت يومها القاهرة. ولكن ها نحن نشهد اليوم «مزاحمين جددًا للقاهرة ولبيروت يتمثلون بعواصم عربية أخرى دخلت معترك الثقافة بقوة واقتدار. لم يعد هناك مراكز» و«أطراف»، بل الكل تقريبًا بات مركزًا. وقد انتقلنا من الحديث عن العواصم إلى الحديث عن المثقف، وفي كلمة العميد تعبير بالغ الدلالة على ذلك(الثقافة)، أي أن المحور الرئيس لتكون هذه العاصمة ولسطوع ضوؤها أو خفوته، هو الثقافة/ المثقف. وهو في رأي "المعلم" أن هذا يضع على عاتق المثقفين حملًا مهمًا، بوجه خاص، ورسالة بالغة الأهمية في هذه المرحلة. فمن غير المقبول أن يتحدث المثقفون العرب أكثر من لغة؛ لغة وهم خارج أوطانهم، ولغة في صالوناتهم، ولغة في تلفزيونات بلدانهم، ثم لغة في كتبهم بالطبع قد يكون للمثقفين العرب حججهم في ما هم مضطرون إلى فعله. قد يكون هناك الخوف وقد يكون هناك سواه. ولكن لا أحد يفرض على المثقف أن يصفق. لا أحد يفرض على المثقف أن يهتف. لا تريد أن تعارض هذا من حقك، ولكن لا تهتف إذا لم تكن مقتنعًا بالهتاف. وعندما يفعل المثقف ذلك، فإن سمعته تكون هي المحك الحقيقي، فضلًا عن صدقه، وعن عدم احترامه لذاته ولا لثقافته التي لم تهذبه أولًا، فكيف إذن يفترض نقلها عنه! لا شك أن القاهرة وبيروت عاصمتان مهمتان على الصعيد الثقافي. ولكن هذا لا ينفي أن هناك عدة عواصم عربية تتقدم الآن منها الرياض والكويت ودمشق والدار البيضاء. وهذه العواصم تثبت وجودها في مجال التأليف والنشر والترجمة وبقية الحراك الثقافي. غير أنها مؤهلة أن تنهار عند مواطنيها، إذ كيف يمكن لهذه السمعة أن تحافظ على مقوماتها والمواطن يجد مثقفيه يتحدثون عدة لغات في الوقت نفسه، وعلى النحو الذي ذكرنا؟ مهمة المثقفين هي إنارة الطريق، لا التبعية. عندها كيف يمكن توجيه اللوم إلى الناس إذا انصرفوا عن قراءة مثل هؤلاء المثقفين؟! كما أن هناك قضايا عديدة تحظى باهتمام مشترك بيننا وبين اتحاد الكتاب العربي مثل قضية حماية حقوق الملكية الفكرية التي تحتاج فيها إلى دعم كل الجهات وتدعو اتحاد الكتاب العربي إلى تبني هذه القضية ثم إن تنسيق الجهود مع كل الجهات ذات الصلة أحد بنود ميثاق اتحاد الناشرين، واعتقد أن التعاون بين اتحاد الناشرين المصريين واتحاد الكتاب المصريين يعطي مثالًا جيدًا فى هذا الصدد، حيث نعقد اجتماعات، ونشكل لجانًا مشتركة ونبحث معًا سبل التغلب على المشكلات العالقة بيننا، وهناك قضايا عامة تتخذ فيها ذات الموقف. غير أن الحديث عن العواصم الثقافية وحالة الكتاب، ترديه، عدم الرغبة في القراءة أو التشجيع عليها، وبالتالي تحقق القيمة المقابلة لها، أي الجهل! هو ما يأخذنا حتمًا إلى سؤال جذري عن النشر العربي، سوق الكتاب، بكل جوانبه وأسئلته وتحدياته.

في غياب الإحصاءات عن حالة النشر العربي من الصعب أن نصدر أحكامًا موضوعية توضح المعدل العالمي. ومازالت هناك في العالم العربي محافظات وقرى وكأن الكتاب لم يدخلها بعد غير الكتاب المدرسي، ومازال الكتاب المدرسي في العالم العربي يحتاج لا إلى التطوير والتحديث وحسب، بل إلى ثورة شاملة في الأسلوب والمنهج والتفكير والمستوى. وهي الأمور التي نحاول مع "المعلم" أن نلقي عليها الضوء رغبة لمزيد من الفهم والتفاعل البناء. يحكي "المعلم" أن اتحاد الناشرين العرب لم يبادر بوضع اتفاقية لمواصفات الجودة لصناعة الكتاب لما يتفق مع منظمة التوحيد القياسي العالمية (ISO 9000 ) بحيث تكون ملزمة لدور النشر، قائلًا: قلنا لن نضع هذه الاتفاقية حجر عثرة في طريقنا الطويل، وحتى نبلغ هذا المستوى من الطموح، وأعتقد أن الجهود في هذا الصدد يجب أن تبدأ من الكتاب المدرسي، وقد قدمنا مشروعًا وقتها لوزارة التربية والتعليم يتضمن اقتراحات عن اتحاد الناشرين لمراعاة أصول الجودة وتكاليف المهنة. حتى تساءل الناشرون وفي إطار الحديث عن سوق عربية مشتركة عن موقع الكتاب العربي في هذه السوق ومدى إمكانية عبوره الحدود العربية من دون حواجز. في الوقت الذي يعتبر أن السوق بهذا الشكل موجودة بالفعل وبشكل تلقائي، فالكتاب فى ثقافتنا منتج عربي يتجاوز الحدود الضيقة بعكس بعض الأشكال الفنية الأخرى كالمسرح والسينما التي يتفاوت إنتاجها وتلقيها من بلد إلى آخر، ولا يتبقى في هذا المجال إلا إزالة كل المشكلات البيروقراطية والرقابية التي تعوق تبادل الكتاب بين البلدان العربية.

الحقيقة أنه بالنظر لمناخ الثقافة العام في العالم فقد يبدو مرتبكًا، وبشكل خاص في العالم العربي يبدو غامضًا، ملبدًا بغيوم كثيرة، لم نعرف حتى الآن أكانت ستفيض يومًا بخير كثير، أم أن الأمر لا يعدو أكثر من رؤيا سراب! الأمر الذي يحمل في طياته أسئلة بالغة الأهمية والتعقيد، عن حالة النشر بعامة، وحالة النشر العربي، وحالة النشر العالمي ضمن حدود العالم العربي، وكيفية انتقال تلك الترجمات والعقبات التي قد تواجهها بتعنت ليس له مبرر في أحيان كثيرة، بما فيها النشر الإلكتروني والعالم الرقمي اليوم، الثورة الحقيقية، والأمور المتعلقة بالمحتوى وطبيعة المتلقي، بما أن هناك مناخ رجعي بدرجة ما، فقد يكون وبنفس الدرجة المحتوى نفسه رجعيًا وربما بدرجة أكبر. أسئلة كثيرة يحاول أن يطلعنا عليها المعلم، هواجسها، إجاباتها الملحة. والآن دعنا أن نبدأ مما انتهى به العالم، أي الكتاب الإلكتروني! الذي ربما لو لم يكن حتى الآن بمنزلة العدوّ الذي يواجه الكتاب الورقي ويهدده، فقد يكون العدو الذي يواجه الكتاب ويهدده يتمثل بالشاشة أو بالتلفزيون؟ فقد أخذ التلفزيون والهاتف وكل مواقع التواصل هذه في طريقها معظم الكتب والقرّاء، القول إن السؤال التقليدي الذي كان قُلْ لي ماذا تقرأ، أصبح الآن: قُل لي ماذا تشاهد؟! وعليه فقد وضح "المعلم" أن المنافسة بين الكتاب وكل هذه المؤثرات الأخرى منافسة شديدة. ولكن المنافسة قد تكون أكثر على نوع من الاكتئاب والإحباط وعدم الرضا والقلق ولا تصدر، وكتبًا تصدر ولكن لا تحصل على أرقام إيداع، ووسط هذه الغابة من الغموض وعدم الدقة والضبابية تردنا تقارير دولية مثل تقرير التنمية البشرية الصادر عن إحدى منظمات الأمم المتحدة، فتزداد الهوة بيننا وبين العالم. كما أن الأرقام التي ذُكرت في هذا التقرير عن عدد الكتب العربية، وعن عدد كتب الأطفال التي تُوزّع في العالم العربي، بعيدة جدًا عن الصحة وعن الدقة. كما يظن أن العالم العربي يصدر فيه ما بين ٢٢ إلى ٣٠ ألف عنوان في السنة. هذه العناوين تشمل الكتب الثقافية والكتب الأدبية وكتب الأطفال والمراجع ودوائر المعارف وكتب التراث والكتاب المدرسي والكتاب الجامعي والكتاب الحكومي وهذا ليس مستغربًا لأن العالم كله. الآن يحصي هذه الكتب. لحد أننا لو قارنا ما يصدر الآن بما كان يصدر في بداية القرن العشرين من عناوين، لوجدنا أن عدد العناوين التي كانت تصدر سنويًا في الماضي، حوالي ألف عنوان! ثمة زيادة إذن، ثم إن الكتب التي تصدر في العالم العربي اليوم تتناول مواضيع لم تكن تتناولها سابقًا. أما من ناحية العدد فهناك زيادة بالغة في الكتاب الجامعي، إذ تصدر كتب باللغة العربية في مواضيع كثيرة، ولم يكن الوضع كذلك قبل عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة. وربما هذا يحتاج بحثًا آخر لمعرفة ما السبب وراء تأليف كل هذه الكتب لغرض الدراسة، في حين لا يخفى على أحد أنها لا تأتي بجديد أحيانًا سوى ما تدره من أرباح لصالح أساتذة الجامعات. لكن هذا ليس موضوعنا الآن. وعلى الرغم من كل هذا التقدم، سواء في عناوين الكتب أو في محتواها، هناك من يرى أن الحاجة لاتزال ماسة إلى ما يمكن تسميته بـ «الثورة التنويرية». على الكتب التي تصدر الآن؛ أن تحمل إلى قارئها روحًا جديدة أو رياحًا من تلك التي حملتها كتب فولتير وروسو في القرن الثامن عشر إلى القارئ الأوربي. والسؤال الجوهري الذي يُطرح في هذا المجال يتناول النشر العربي وما إذا كان أصحابه يساهمون بالفعل في التهيئة لمثل هذا التنوير الذي نحتاج إليه! وفي رأي "المعلم" فإننا نحتاج إلى ثورة تنويرية وثورة ثقافية وثورة في الديمقراطية وثورة في نظام حقوق الإنسان واحترام كرامة الإنسان وإدراك قيمة الإنسان. ومن ضمن هذه الحقوق، حقوق الملكية الفكرية، لأن احترام حقوق الملكية الفكرية هو نوع من احترام الإنسان، ومن معرفة قيمة الإنسان وقيمة الجهد الإنساني، وقيمة الابتكار والاختراع والإبداع كقيمة وكفائدة وكوسيلة تصنع تقدم الشعوب ورفاهيتها. والاعتداء على هذه الحقوق هو نوع من الجهد، ونوع من عدم الإدراك لقيمة الإنسان وقيمة الجهد البشري، ونوع من التخلف الحضاري، ونوع من الجريمة المنظمة. نحن نحتاج إلى كل هذه الثورات، ولا شك أن هناك عددًا من الناشرين العرب المتنورين المنفتحين على العالم، والذين يدركون ما يحدث فيه، وفي جديده الذي يُنشر، وبخاصة في اتجاهات الفكر العالمي، يبذلون جهدًا لا يُنكر على هذا الصعيد. ومن الطبيعي أن يدفع هؤلاء الناشرون أحيانًا كثيرة ثمنًا باهظا جراء إقدامهم على ذلك. وربما علينا أن نعترف أن عدد الكتب التي تواكب مثل هذه الثورة الثقافية، التنويرية، ليس عددًا كبيرًا. كما أن هناك، في كثير من الأحيان، تكرار، وترجمات غير دقيقة، واقتباسات غير أمينة. وهناك كتب مدرسية أو جامعية مملوءة بالحشو والإسهاب ولا متعة فيها تجذب الطالب ولا تتضمن الحداثة المطلوبة ولا الاطلاع على ما يُنشر في العالم الخارجي. وهناك كتب لا معنى لصدورها سوى أنها إضافات مادية على مرتبات ضعيفة لأساتذة ومدرسين. أما تلك الكتب التي ترتفع بمستوى الإنسان وبروحه وبعقله وبعلمه، وفيها تجديد وموضوعية فلا شك أنها أندر من الكبريت الأحمر، كما كان يقول القدماء. هذه حقائق لابد أن ندركها، أما الحل فلابد أن نشترك فيه جميعًا. إلا أن هذا المناخ الغامض كما أشرنا، يدفعنا إلى إثارة قضية في غاية الأهمية عن حقوق الملكية وأنواع الرقابة المفروضة على الجميع، وعن ضرورة ملحة في تفعيل القانون الذي يحمي المؤلف والناشر والمبدع من أعمال السطو والسرقة، الأمر الذي يتعلق باحترام المبدع واحترام فنه وما يقدم، أي يحتاج على وجه السرعة إلى التخلص نهائيًا من عصا الرقابة.

مع الأسف فهذه هي المصطلحات التي يتذكرها رئيس اتحاد الناشرين العرب السابق، المهندس إبراهيم المعلم، عندما يسمع أن هناك كتابًا تمت مصادرته! وبخلاف الحزن، فهو يحاول في كل الاجتماعات مع وزراء الثقافة العرب أن يثير قضية الرقابة، ومعظم الدول العربية تعتبر الرقابة من أمور السيادة والأمن القومي وغير مطروحة للنقاش. وللأسف، الصحافة مهتمة اهتمامًا جزئيًا بهذا الأمر لأنها تركز على أشياء وتترك أخرى بمعنى أنه يجب رفض المصادرة عمومًا لا أن تحزن لمصادرة نوع من الكتب، ولا تهتم بمصادرة نوع آخر. فيما تولى الاتحاد عمل قوائم بهذه الكتب الممنوعة، في محاولة لاطلاع القراء الأمر. كما يرى "المعلم" أن هذه ليست قضية الناشرين فحسبُ، بل هي قضية المثقفين والصحفيين والسياسيين وعموم القراء. أما فيما يتعلق ببعض الكتب ودور النشر السرية، فإن "المعلم" وخلال وقت وجوده في الاتحاد، لم ير أن للاتحاد أو أعضاؤه أي سلطة قضائية ولا صورة الضبط وليست وظيفته المصادرة. فهناك أجهزة مختصة بذلك. كما أن قانون الاتحاد وقتها، يقول أن من حق المؤلف أن يطبع كتابه وينشره، إذا كانت هناك دار نشر غير مسجلة في اتحاد الناشرين وتصدر كتابًا فلا بد أن تصادر هذه الكتب. هذا هو القانون لكن هناك دور نشر لا تريد أن تنضم الى الاتحاد وأنا ليست وظيفتي أن أعمل مخبرًا لدى الشرطة! وهو الأمر الذي يستدعي تعاونًا كبيرًا للتخلص من هذه الرقابة، ففي بعض الدول العربية؛ تتزايد في فرض الرسوم الجمركية، وضرائب مبيعات على مستلزمات انتاج الكتاب؛ فتزيد المشكلة تعقيدًا، وتزيد القارئ المرهق أصلا؛ المزيد من الإرهاق. اللافت للانتباه أن التأكيد على ضرورة إلغاء الرقابة على الإبداع تمت دراسته في الجامعة العربية عندما تبنت مقر الإبداعات. يقول المعلم: والله دُرس مع كل المسئولين، ولكن كانت هناك وعودًا، إنما لكي أكون صادقًا؛ لم تُنقل إلى حيز التنفيذ! ومن هنا لا بد أن تنقل إلى حيز التنفيذ، وهناك مشكلة أخرى بدأت بعض الدول في التنبه لها، المكتبات العامة في الوطن العربي كله؛ قليلة جدًا؛ المكتبات العامة هي ذات تأثير حيوي لا يمكن إغفاله؛ لأنها توفر الكتاب لمن لا يستطيع شراؤه، ولا بد أن يتواجد عدد هائل من المكتبات العامة في المدرسة، والجامعة، والحي؛ بحيث أن كل طفل، كل شاب، كل قارئ يستطيع أن يصل إلى العلم والمعرفة دون أن يتحمل شىء. هذا غير أن التأكيد على ضرورة غياب الرقابة كليًا، يستدعي كما أشرنا إلى ضرورة احترام المبدع واحترام الإبداع باختلاف أشكاله وأدواته، الأمر الذي يأخذنا إلى منعطف خطير وجوهري في الوقت نفسه؛ إذ أن هذا الاحترام يدفع إلأى تفعيل قانون حماية الملكية الفكرية، من أعمال السطو والتزوير والقرصنة وغيرها من أعمال مشابهة لا تؤدي إلى شيء سوى الحد من الإبداع وتحجيم دوره ومصادرته لصالح الأقوى عضليًا لا بمعيار الفكر والإبداع! كما أفاد "المعلم" أن هناك تعاونًا جادًا في سنوات عديدة. كان هذا خلال المؤتمر العام للناشرين العرب ضمن معرض القاهرة للكتاب. حينها ولأول مرة صدر قرار بإدانة إثنين من الناشرين العرب، بالإضافة لحرق كتبهم، ومنعهم من الإشتراك في جميع المعارض العربية! كانت هذه خطوات عملية تتطلب جهدنا كبير لكنه غير كافية؛ إذ لا بد أن تشترك الحكومات وأيضًا وسائل الإعلام، والمؤلفين. كما يرى أن مسألة النشر والكتاب على وجه العموم مسألة تخص كل اتحادات الناشرين سواء الدولية أو المحلية. فقد تحدث زيارات من آن لآخر والاتفاق، إلا أنه هناك أحيانًا بعض المشاكل الداخلية التي تعيق هذه الجلسات. فقد كانوا مشغولين بالبناء الداخلي ونحن نطرح قضية عامة، لا نريد معارك بل نريد أن نحترم حقوق الملكية الفكرية ونرسخ في ضمير المثقفين والمجتمعات العربية أن هذا حق بالغ الأهمية. أي أن الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية جريمة تفوق جرائم السرقة العادي؛ لأنها جريمة مع سبق الإصرار والترصد، جريمة لا تهدف للسرقة المادية فقط وإنما تسرق روح إنسان وناشر ومبدع وتاريخ وثقافة. وهو ما يستدعي التعاون للقضاء عليه هذه الظواهر. يجب على من يخرج عليها أيًا كان أن يأخذ حقه من العقاب، فهو أمر مشين أن يكون في العالم العربي كل هذا الحجم من القرصنة والاعتداء على الكتب. إلا أن الاتحاد قد قطع خطوات عدة وعقد مؤتمرات للتوعية بالاشتراك مع وزارات الثقافة العربية. كان الهدف مبدئيًا هو التوعية واتخاذ التشريعات التي تحفظ هذه الحقوق في بعض الدول العربية. كما تم الاتفاق وقتها على إقامة معارض الكتب العربية، ويمنع من يمارس القرصنة من الاشتراك. وقد استطاع الاتحاد في مرات سابقة معرفة الشحنات المزورة المقبلة من الخارج، ويتم توقيفها ومصادرتها. غير أن الحديث عن القرصنة والتزوير وغيرها من وسائل الاحتكار والاستغلال بطريقة ما، يأخذنا إلى الحديث عن مقاولات الكتب، باعتبارها الشكل الأمثل والأكثر وضوحًا في هذا الشأن.

يرى "المعلم" أن هناك مسئولية على الناشر العربي في مثل هذا المناخ السلبي الذي نتحدث عنه. ولا شك أن هناك عددًا من الناشرين العرب نفتخر بهم لأنهم يؤمنون بأداء رسالة، وهم يتمتعون بالجدية، ويفنون حياتهم في سبيل ما يعتقدون أنه يحقق رسالتهم إزاء أمتهم والإنسانية. ولكن عددًا آخر منهم لا يفعل هذا. وهناك عدد آخر بينهم وبين بعض المسئولين نوع من التعاون والتحالف غير المفيد، وكأن هذا التعاون يتضمن صورة من صور مقاولات الكتب! أي توجيهها للميزانيات لافتعال عناوين وأسماء وأغلفة، مضمونها دون المستوى، وفقط لتمرير هذه الاتفاقات. هذا موجود مع بالغ الأسف هو موجود في العالم كله، لكن النسبة عندنا قد تكون مرتفعة أكثر من غيرنا. إنما هناك عدد من الناشرين في العالم العربي يعمل بجدية عالية. عددهم قد لا يكون مرتفعًا. والأعجب أن تقديرهم ليس عاليًا كما ينبغي وبخاصة في وسائل الإعلام. بل إن المسئولين في بعض الدول العربية يعلمون أن هذه الميزانيات التي نتحدث عنها وضعت أصلًا لشراء الكتب. لذلك فهم يتفقون مع بعض الناشرين ليتقاسموها. ومن أجل ذلك يتعاقدون بسرعة مع هؤلاء الناشرين، ويُنجزون هذا التعاقد بسرعة أيضًا، وتكون نتيجة الكتب التي تعاقدوا على إنجازها دون المستوى. المهم أن يُوجدوا التغطية لتمرير هذه الاتفاقيات. ولكن هؤلاء - وهنا المصيبة - يحجبون الكتاب الجيد المتميز والموضوعي، ولا يوصلون إلى القارئ سوى الكتب الرديئة ولا يلومن أحد القارئ إذا تخلى عن القراءة بعد ذلك. هذا عن الكتاب وقضاياه بوجه عام، ولكن ماذا عن حاضر الكتاب العلمي العربي بالذات وللأطفال تحديدًا.

يحكي "المعلم" قائلًا: ذات مرة حضرتُ ندوة في الكويت أقامتها مجلة " العربي" عن "الثقافة العلمية ودورها في استشراف المستقبل العربي". كانت هذه أول مرة منذ خمس وثلاثين سنة أمضيتها في النشر أجد هذا الاهتمام بالكتاب العلمي وبالنشر العلمي الثقافة العلمية جزء من الثقافة العامة. ليست الثقافة ثقافة أدبية وحسب. الأدب مهم ولكن العلم مهم أيضًا. وكانت ندوة «العربي» ندوة مهمة بكل المعايير، والجمهور العربي يشجع مثل هذه الندوات الجادة إنما الشيء المهم أن نسبة الكتاب العلمي بالنسبة لكتب الأطفال في العالم العربي نسبة عالية، وهذا يبعث على التفاؤل. إن عددًا من الناشرين العرب يتفقون الآن مع أكبر دور النشر العالمية لترجمة أحدث الكتب العلمية والموسوعات ودوائر المعارف المشوّقة على المعرض السنوي. المعرض السنوي في كل بلاد العالم هو معرض للقاء الناشرين والمؤلفين وموزعي الكتب والأساتذة، ولعقد اتفاقات. والمفروض في الكتاب أن يُعرض في المكتبات طوال العام في المكتبات التجارية لمن يريد أن يشتري، وفي المكتبات العامة لمن يريد أن يطّلع. أما أن يكون هناك بلد لا يطلع على الكتاب ولا يشتريه، ولا يفكر بشرائه إلا في معرض سنوي، فأمر غير معروف في الخارج. مرة في السنة، ولفترة وجيزة لا تتجاوز عشرة أيام، أو أسبوعين، يأتي عدد محدود من المواطنين إلى معرض للكتاب. ثم إن هؤلاء يأتون في مناخ حسومات وفي مناخ إغراءات مختلفة قريبة من الإغراءات التي يقدمها الآباء لأطفالهم. إلا أن هذا الهم المشترك والخاص بالعمل على كتب الأطفال، يدفع للسؤال عن النشر الإلكتروني والكتاب المدرسي أيضًا، باعتبارهم تحديات آنية، بين سياسات وزارات التربية والتعليم بتبني فكرة الكتاب المدرسي الإلكتروني، أو الورقي في أحيان أخرى، كأن الأمر يستلزم كل هذه الجلبة والضوضاء في التعامل مع مسألة بالغة البساطة عن الشكل الذي يقدم من خلاله الكتاب، أي صيغته الظاهرة. المحزن أن هذا يتم تقريبًا بعيدًا عن النظر لمحتوى هذا الكتاب أو ذاك.

ولكن لو عدنا إلى النشر الإلكتروني لقلنا إن النشر الإلكتروني وهو -تساؤل المهندس إبراهيم المعلم منذ عقود- باب جديد في العالم مفتوح الآن على مصراعيه. والعالم في هذا الباب لايزال يجرب نوعًا ما، ولو أنه قطع أشواطًا بعيدة للغاية عما نحلم به حتى الآن. فهل ننتظر إلى أن يجرب العالم وينتهي من تجاربه، أم نبدأ مع العالم خطوة خطوة ونجرّب معه بدورنا؟ فكان رأيه أنه ليس هناك معركة بين الكتابين بل تكامل، وسنصل أخيرًا إلى شيء يكمل بعضه. هو ما ظهر في صور شتى من مواقع توفر الكتب إلكترونيًأ بمقابل مادي، أو تطبيقات تفعل الأمر نفسه، حفاظًا على حقوق النشار والمبدع المادية والأدبية. وعليه فينبغي التنبه أولًا إلى العركة لم تكن بحال بين الكتابين، بل أنهما في ا"وار تكامل مستمر. فلا الإذاعة ألغت القراءة، ولا التلفزيون ألغى السينما، ولا السينما ألغت القراءة، ولا الكمبيوتر ألغى كل هذه الأشياء. طبعًا الكمبيوتر يأخذ منها ويضيف إليها. لكن المهم إيصال المحتوى إيصال محتوى الكتاب الذي هو مضمونه، وليس وسيلته. وثمة حاجات أساسية لا بد أن نلتفت إليها، وإلا فإن المحاولات كلها ستكون دون النتيجة المرجوة. أول هذه الحاجات المناهج الدراسية والكتاب المدرسي. إذا لم نعدل المناهج بأنفسنا، ولرغبتنا ولحاجاتنا دون أن يفرض علينا أحد لمصلحته لا بد أن تتطور المناهج المدرسية. لا يجوز أن تكون المناهج المدرسية قائمة على الحفظ والتلقين والرأي الواحد وعبادة الفرد، والحاكم، هذا ليس معقولًا! ولا بد في العلوم البحتة، وفي الرياضيات والكيمياء والطبيعة، ألا نكون متخلفين عن العالم؛ بل أن نأخذ بأحدث المناهج العالمية، وأحدث الطرق التدريسية، وأجمل الكتب الصادرة في الخارج، ونأخذ حقوقها، ونعرفها للغتنا، ونكون جنبًا إلى جنب مع العالم في العالم، هناك مسابقات للتقييم: مثلًا في الرياضيات. فمن بين الدول العشر الأكثر تقدمًا في العالم تجد دولًا مثل سنغافورة، وكوريا، واليابان، أحيانًا إيران. لكن العالم العربي لا ذكر له ولا بعد المائة! ثم إن هذه الكتب، وهذه النجاحات، وهذه البرامج أمامك! فإذا أنت، كمرحلة أولى، لم تستطع أن تفهم مضمونها، فلن تستفيد منها. الأمر الثاني هو حب القراءة، وحب العلم والتعلّم؛ لا بد من كتاب مدرسي جيد شكلًا ومضمونًا. ألا يكون هذا الكتاب قميئًا أو بشعًا، أو طويلًا، أو أن طريقة التعليم فيه صعبة. وأن يكون هناك ميزانيات من الحكومات العربية لإثراء المكتبات المدرسية والجامعية وتطويرها. تزويد هذه المكتبات بكل جديد وجيّد ومتميز هذا سيوفر من ناحية اطلاع من لا يستطيع الاطلاع على ما يريد من الكتب مجانًا. ومن ناحية أخرى، فإن من شأن ذلك تحسين اقتصاديات النشر الجيد الجديد المتقن بما يجدد حركة التأليف والنشر، ويوجهه دون رقابة ولكن بتزكية الجديد والجيد، ولا عذر في ذلك لكل الحكومات العربية لأن كل دول العالم الأكثر غنى والتي تماثلنا، والأقل غنى، تخصص مثل هذه الميزانيات. بالإضافة أن لدينا مشكلة أخرى غريبة، مازال اهتمام وسائل الإعلام العربية، خصوصًا المرئية بالكتاب وبالثقافة، أقلّ من المطلوب كثيرًا كمًّا وكيفا، وأقل من الموجود في الدول الأوربية والدول الآسيوية ولا نستطيع أن نجد تفسيرًا لذلك. في حين أننا في رأي "المعلم" ندعي طوال الوقت، أننا أمة تؤمن بالثقافة وبالفكر، وأننا أهل كتاب، وأنهم أهل مادة ثم نجد فى تصرفاتنا ما يفيد العكس تمامًا! كل هذه الأمور تصل بنا إلى الكتاب الذي يخرج من بوابته الأخير الفنان والمثقف وكل العاملين بمختلف الصناعات، لما له من أهمية بالغة؛ أي الكتاب الجامعي!

هو فقط كتاب علمي بحت، ويغلب عليه أيضًا طابع الظروف الإقتصادية الضعيفة؛ كونه كتاب منهجي للإمتحان فحسب! الأمر الذي تجاوزه العالم بالكامل فلا وجود لكتاب بهذا الشكل مطلقًا، عبارة عن مقرر، ما عليك منه إلا أن تحفظ ما به! في الجامعة؛ لا بد من عدة كتب تتجول بينها، بالإضافة للإنفتاح التام في كل مجال. في حين أن الجامعة يفترض أن تكون عبارة عن فكر. ولا يصح أن يكون كتاب الأستاذ هو المقرر الوحيد، ولا تقرأ غيره، ولا يكون الإمتحان إلا فيه؛ فلا يكون هذا كتابًا جامعيًا، وسيكون مجرد استمرارًا لأسلوب التلقين؛ إذا يجب أن تكون هناك نظرة جديدة، وشاملة للكتاب الجامعي شكلًا، وموضوعًا، وكذلك للمناهج التعليمية الجامعية، وكذلك النظر إلى ظروف الأستاذ؛ لأن الأستاذ لن يستطيع أن يعطي في هذه الظروف، وهو مضطر إلى زيادة دخله بطرق أخرى. وبالطبع تذكر "المعلم" أنه في وقت من الأوقات كان هناك سلاسلًا تصدر، ترجمات منتظمة، شهرية، تثري الفكر بشكل واضح، وخصوصًا أن الشباب كان مقبلًا عليها بشكل كبير؛ فماذا حدث لها؟ لا لم تصبح في مثل النجاح السابق، وربما يكون من الأسباب أنه في الحقيقة؛ الإعلام؛ مثلًا في الصحافة، والتليفزيون؛ حيث أن الصحافة، والتليفزيون لهما تأثير ناجح، وخطير جدًا. أما وأن هذا حال الكتاب الجامعي وكتاب الأطفال، أما وأن هذا حال الكتاب في العالم العربي بكامله، صحيح أن هناك بعض الأمل على الدوام، لكنه مثير للشجن أحيانًا كثيرة. ثم ماذا عن سؤال الترجمة في هذه الظروف المتعثرة نوعًا ما، الترجمة من وإلى اللغة العربية وضمن هذا الفضاء العالمي المبهر، والمخيف في آن.

وهو ما أشار إليه المعلم، أن هناك كتبًا بالفعل تترجم لفكر عالمي، وهناك فكر نحن بعيدون عنه؛ إلا أنه بدأت حركة الترجمة لآسيا مثلًا، للماليزي، والأوردي، والإندونيسي، هذا إلى جانب اللغات الكبرى التي زادت فيها حديثًا حركة الترجمة، ومن ضمن الأمور التي حفزتها وشجعتها بالطبع كان فوز الأستاذ نجيب محفوظ بجائزة نوبل، فقد خلقت هذه الجائزة؛ نافذة جديدة على الفكر، وعلى الإبداع العربي خاصة. بالإضافة إلى الدول التي انفرطت من العقد السوفييتي، هذه الدول كلها، بدأ ينشأ معها نوع من التعاون الثقافي الجاد، فهي بالطبع تعود لجذورها، لكي ندخل إلى المستقبل معًا. كما أن الحقيقة في الظاهرة الحديثة؛ أن اتحاد الناشرين العرب لما تم تأسيسه؛ وحد جهود كل الناشرين العرب للإرتفاع بمهنتهم، ولتداول خبراتهم، لحل المشاكل، ومن ضمن الأشياء التي يتم التركيز عليها؛ التنسيق والإرتفاع في مستوى المعارض العربية في كل بلد عربي. غير أن التعريج على سؤال الترجمة، على ما له من أهمية بالغة، فإنه حتمًا يزيح الستار عن حلقة الوصل الأهم بين العرب والعالم، أي اتحاد الناشرين العرب، بكل نجاحاته وإخفاقاته، أي الحديث عن قوانينه التي لم تفعل، عن سنوات العمل ورئاسة الاتحاد بالنسبة للمعلم، وعن أسئلة جذرية تخص الثقافة العربية والواقع العربي وبما يطرحه من مستجدات تستلزم على الدوام القراءة الواعية للمشهد بنظرة فوقية لا تتبنى وجهات نظر بعينها وتغفل أخرى عمدًا، ولا تضع الجميع على مسافة واحدة من القانون، بما هو كذلك.

يقول المهندس إبراهيم المعلم: لم يكن غريبًا على القارىء معرفة أن الاتحاد وليس عمره إلا عامًا ونصف، فقد قام بإنجازات هائلة. منها إنجازات على مستوى الميدان الفعلي؛ أي في المعارض ووسائل توفير الكتب والتعاون المشترك بين الناشرين بعضهم البعض، والتعاون في إرساء قواعد المهنة، وفي إرساء قواعد الاحترام المتبادل بين كل الأطراف، وفي السعي الدائم إلى حفظ حقوق الناشر، والمؤلف، وفي حمايتهم وحماية الإبداع العربي من الإعتداء عليهم؛ لأن هذه قد أصبحت ظاهرة خطيرة جدًا، وقد قررنا أن نبذل فيها كل جهد، وجعلناها هدفًا لا نحيد عنه؛ دون انتظار لما قد يتم فرضه علينا بإتفاقيات الجهات المختلفة. والحقيقة أن عملية الإعتداء على الحقوق هذه صارت ظاهرة خطيرة قد تفشت في السنوات الأخيرة، وقد أصبح تأثيرها بالغ الخطورة والسلبية على الإبداع. لما لها من أضرار على المؤلف، وعلى حركة النشر، والإزدهار الثقافي كله، وقد لجأنا للتعاون مع الحكومات المختصة، ومع كبار المسئولين. كما أن هناك نوع من الإقتناع في كل معرض نقوم به، بضرورة وجود فرصة لعرض أكبر عدد من الكتب العربية والعالمية، لأكبر عدد من القراء في زمن محدد، وفي نفس الوقت؛ ندوات للمثقفين، والكتاب، ومقابلات مع كبار المسئولين لوضع الحقائق كما هي أمامه؛ فمن ضمن الحقائق التي وضعناها؛ هي قولنا أن عدد الكتب الجديدة في الوطن العربي حاليًا، من المحيط إلى الخليج؛ قد بلغ حوالي ثلاثة آلاف كتاب جديد في السنة فقط كعنوان جديد. بينما في بلد كبريطانيا؛ سنة 1890م؛ يعني منذ أكثر من مائة سنة قد بلغ ستة آلاف عنوان. أي أن حجم الكتب المتداولة في الوطن العربي كله لا تزيد عن 5% من حجم الكتب المتداولة في بلد واحد فقط مثل ألمانيا، أو فرنسا، أو بريطانيا. كما أشار المعلم" إلى أن اعتماد المؤلفون على اتحاد الناشرين العرب مسألة هامة؛ إذ يقولون أين دوركم، وأين سعيكم لحماية المؤلف العربي، الإبداع الفكري العربي وغيرها من الأمور. قلتم أنكم ستتقدمون لوزراء العدل العرب بتوصيات! هذا الحديث سمعناه كثيرًا، لكنه لم يُنقل إلى حيز التنفيذ! يوضح المعلم أيضًا أن الاتحاد قام بما يجب عليه؛ نظريًا. حيث تقدم بمذكرات عديدة، تنبه إلى خطورة ما يحدث وإلى الضرر. لكن الحقيقة أن اتحاد الناشرين العرب واتحادات الناشرين المحلية تعمل وحدها! حتى أن من ضمن الطلبات وقتها، هو وجود اتفاقية شاملة بين الدول العربية للحماية. ومن هنا لو أن بلدًا قامت بعمل اتفاقية وحدها؛ فلن يكون هناك فائدة تذكر. إلا أنه حتى الآن لم يتم توقيع هذه الإتفاقية! كما أن هناك إتفاقية منذ عقدين من الزمن؛ وقعتها ست دول، أما باقي الدول؛ فلم توقعها حتى الآن. كما أن معظم الدول العربية لم تصدر بها التشريعات. لحد أن الدول التي يوجد بها تشريعات؛ لا يوجد بها آليات تنفيذ. وليس هناك تعاون بين اتحادات الكتاب والإعلام واتحاد الناشرين، لأننا لا بد أن نخلق في ضمير المجتمع، وفي وعي المثقفين؛ أن هذه جريمة! ننتقل من الحديث المقتضب عن سياق ووضع الاتحاد عمومًا إلى حديث أكثر خصوصية، عن سنوات عمل "المهندس إبراهيم المعلم" كرئيس لاتحاد الناشرين العرب، وما يرويه عن نجاحاته، والأمور التي لم يستطع لا هو ولا الواقع التغلب عليها، مرة لتعنت الكثير من المسؤولين، ومرات لافتقاد المثقف العربي الرغبة في التغيير الإيجابي.

يروى المعلم أن الكثير من الأحلام قد دخل بها من باب الرئاسة للاتحاد، أحلامه كمثقف مصري، وقارىء للغة العربية ولغات أخرى يحلم أن تنقل إلى العربية والعكس، وأحلام مهتم ومهموم بالثقافة العربية في طورها الأضعف، وفوق كل هذا كناشر من أهم الناشرين المصريين والعرب، ثم كرئيس لاتحاد الناشرين المصريين ونائب رئيس اتحاد الناشرين الدولي، والأخيرة قد تكون تتويج لكل هذه الجذور الحقيقية لمثقف بغض النظر عن لغته أو مكانه الجغرافي، ببساطة لأن المشكلات مشتركة، والحلول كذلك، ما نفتقده فقط، هو الرغبة الحقيقية في الانتقال إلى الأمام. وبالطبع هذا يحيلنا إلى مقارنة حتمية بين عمر الاتحادين، وما يمكن أن يقدمه خلال سنواته تلك. معروف أن اتحاد الناشرين الدولي يجتمع منذ عام 1896، حتى أن "المعلم" هو أول من اشترك بمؤتمره العام الذي يعقد كل أربع سنوات، عام 2000. قائلًا: دخلنا الساحات الدولية كأعضاء في مجلس اتحاد الناشرين الدولي وضيوف شرف معرض فرانكفورت، فقد نجحنا نجاحًا عظيمًا هناك، ما دفع رئيس المعرض إلى التصريح بأن هذه أنجح مشاركة لضيف شرف في الـ 30 عام، كما قيل وقتها أن أكثر ضيف شرف غير الرأي العام وأثر فيه هو العالم العربي وعدد المقالات التي كتبت في ألمانيا وحدها عن المشاركة العربية وعن الكتب التي عرضت، كانت أكثر من ٤ آلاف مقالة. وهذا يعني أن الناشرين نجحوا فى فرانكفورت بدرجة ما، وكما يرى "المعلم" فإن المعرض للناشرين في المقام الأول. وهو ما يعكس مستوى النجاح، لا الفشل. فلو أن هناك معرضًا للأطباء؛ فيجب أن لا يشتكي علماء الجغرافيا. كما صرح بأنه كان أكبر حدث دولي سنوي للناشرين ومدته أربعة أيام، من دون جمهور فنحن لا نذهب؛ كي نخطب. والندوات المتخصصة هناك يحضرها على الأكثر 40 أو 50 ناشرًا لأن الجميع من المتخصصين وجامعة الدول ووزارات الثقافة وافقوا على أن يكون اتحاد الناشرين العرب هو من يختار الكتب واخترنا 10 آلاف كتابًا من العالم العربي بحرية وديموقراطية، ولم نستبعد إلا الكتب المترجمة عن اللغات، حتى ذهلت وسائل الإعلام الأجنبية عندما فوجئت بكم الكتب. فقد كان هناك 200 ناشر من الدول العربية وحتى الدولتين اللتين قاطعتا شاركتا بكتب أيضًا. نحن لم نذهب للدفاع عن حكوماتنا أو سياسياتنا، فهي ليست محكمة العدل الدولية ولا هيئة الأمم المتحدة. بل كان الغرض هو عرض ثقافتنا؛ فقد بدأنا بداية صحيحة ومشرفة، ومؤثرة لكنها ليست نهاية المطاف. من هنا أشار المعلم إلى ضرورة استمرار هذه الجهود، وهو ما يتوجب على الجامعة العربية واتحاد الناشرين، كي يستعدوا على الدوام للمعارض العالمية. لم يبد المعلم متحاملًا إذن على واقعنا العربي حينما أشار إلى ضعفه وتخلفه عن ركب الدول المتقدمة، وإلا كانت المقارنة بين ما نحن فيه وما قدمه معرض فرانكفورت الدولي من دلالة في صالحنا، ولو أنها في صالحنا من حيث القدرة على أن نكون أفضل، كما أشار بحضورنا ضمن المهرجان كضيف شرف؛ غير أنها لم تصبح حتى الآن ضمن مصاف هذه الخطوط الأولى. وإذا أردنا كثير من الشواهد، دعنا عزيزي القارىء نرى ما يرو الرجل عن سنوات رئاسته لاتحاد الناشرين العرب.

ولم يبد كذلك مغرورًا حين قال: إنني تسلمت الاتحاد وهو كيان مهمل لا يعرفه أحد، كانت التحديات أمامه كبيرة وأهمها كيف يرتقي بمهنة النشر، وكيف نؤسس هياكل الاتحاد ليأخذ موقعه على الساحة، وكيف يضع ميثاق شرف ولوائح تنظيمية وما السبيل لضمان فاعلية كل ذلك. ثم كيف يزيل التناقضات بين دور النشر العربية ويستبدلها بروح المنافسة الأخوية؟! حتى قطع شوطًا بعيدًا فى كل ذلك كما استطاع تحقيق تكاليف شحن الكتاب ومنع الناشرين المزورين من الاشتراك فى المعارض العربية، بالإضافة إلى إنشاء لجنة لحماية حقوق الملكية الفكرية بدمشق ويرأسها نائب رئيس الاتحاد. أما عن الأحلام فلا تزال عريضة وأهمها أن يصبح الكتاب سلاحًا فعالًا فى معركة العرب من أجل التقدم، فنحن أمة "اقرأ".

اكتشف الجميع فجأة أن هناك ما يسمى باتحاد الناشرين العرب، هنا وهناك. حتى تفجر الصراع، بدأ في بيروت ثم اشتعل في القاهرة وليبيا وبقية الدول. يقول "المهندس إبراهيم المعلم": أن الحكاية بدأت أثناء حرب اليمن منذ عقدين تقريبًا، عندما تم ضبط سيارات مليئة بالكتب المزورة لناشرين مصريين ولبنانيين على حدود اليمن والسعودية. ولهذا قررت لجنة مكافحة التزوير باتحاد الناشرين المصريين التي اجتمعت مع الناشرين المتضررين واتفقنا على أن يسافر وفد مصري إلى لبنان ليشكر المسئولين اللبنانيين الذين ضبطوا الكتب ونتابع العملية معهم ونحرك القضية. وفعلًا اتصلنا بوزير الثقافة المصري الذى استجاب وأرسل للخارجية المصرى في لبنان وأرسلوا معنا مندوبًا عن وزارة الثقافة هو "سمير سعيد" ومندوبًا عن الصحف القومية وهو هاني طلبة من الأهرام.

كان الوفد بالإضافة لهؤلاء يتكون من إبراهيم المعلم، ومحمد الخانجي ومحمود رشاد وعبد اللطيف عاشور وسافروا على نفقتهم الشخصية إلى لبنان؛ ليقابلوا وزراء الثقافة والداخلية والإعلام اللبنانيين. وتم عقد عدة اجتماعات مع نقابة الناشرين اللبنانيين. كما انضم إليهم رئيس اتحاد الناشرين السوري ونائب رئيس اتحاد الناشرين الأردني. وقاموا بإثارة القضية دون تحويلها إلى اتهام بين دول أو معركة، وكان هذا في أغسطس 94 وبعدها بدأ الشعور بأهمية اجتماع الناشرين وتضافرهم وتعاونهم. يقول المعلم: ولهذا اتفقنا على أن نوالي الاجتماعات وبالفعل عقد اجتماع للناشرين العرب على هامش معرض دمشق الدولي للكتاب في سبتمبر 94 وبدأ تدارس مشكلة التزوير ومشاكل المهنة، واتفقنا على ضرورة تفعيل اتحاد الناشرين العرب؛ إذ ليس هناك أي اتحاد لنا على الساحة. ثم اجتمعنا مرة أخرى في عمان فى نوفمبر 94 وأصدرنا بيانًا وشكلنا سكرتارية مؤقتة في الأردن واتفقنا على أن يكون الاجتماع الثالث الموسع خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب لكل الناشرين العرب.

وبالفعل وجه اتحاد الناشرين المصري الدعوة لكل العرب وكان إلقاء يناير 1995 برئاسة الاستاذ محمود عبد المنعم مراد رئيس اتحاد الناشرين المصريين وفيه اتفقوا على أصحاب لجنة تحضيرية من خمسة أعضاء هما: إبراهيم المعلم من مصر ورئيسي الاتحاد السوري، ورئيس اتحاد السودان، ومندوب عن الاتحاد اللبناني، ونائب رئيس الاتحاد الأردني. وتم اختيار المهندس إبراهيم رئيسًا ومقررًا لهذه اللجنة، الذي كلف بثلاثة أشياء: أولها إعداد مشروع قانون جديد على أساس قانون جامعة الدول العربية. ثم الدعوة لمؤتمر عام، وأخيرًا الدعوة لانتخابات جديدة. وهكذا سافر المعلم إلى لبنان لحضور معرض بيروت في أبريل الماضي حاملًا تفويضًا من اتحاد الناشرين المصريين ومعه خمسة من أعضاء مجلس الإدارة العشرة المنتخبين؛ أي نصف أعضاء مجلس الإدارة و18 ناشرًا آخرين أعضاء في الجمعية العمومية. وحدث اللقاء المعد له والذي لم يكن مفاجأة، بل سبقه ترتيب وإعداد وحضره ناشرون من سوريا والأردن والسودان وليبيا والإمارات والبحرين والسعودية واليمن. ناقشوا المشروع المقدم من اللجنة التحضيرية وتم إقراره بالكامل بعد إجراء بعض التعديلات الطفيفة واتفق بالإجماع على شكل الاتحاد الجديد وشرفت فيه بمنصب الرئيس.

في عام 1969 أنشئ اتحادًا للناشرين العرب تابع لجامعة الدول العربية بقانون صادر عنها وكان ينص على أن القاهرة هي المقر المؤقت لهذا الاتحاد، وأنه يقوم على اتحادي النشر في مصر ولبنان وينضم إليه مستقبلًا من ينشأ من اتحادات، وفعلًا عقدوا اجتماعًا واختاروا الأستاذ محمود عبد المنعم مراد أمينًا عامًا للاتحاد. وحسب القانون مادة الأمانة العامة ومجلس الإدارة سنتان بعدهما تجرى انتخابات جديدة. ولظروف ما وقتها لم يحدث أي اجتماع ولا انتخابات ولا تجديد. إذن فلم يكن منذ 69 وحتى الآن لا اتحاد ولا مقر ولا انتخابات ولكن قرار صدر ولم يتم تفعيله، وفي الوقت نفسه لم يُلغ.

مرت السنوات إلى أن أنشئ اتحاد ثان في عام 1981 بطرابلس بسبب ظروف كامب ديفيد والمقاطعة العربية لمصر وكان برئاسة الدكتور الليبي خليفة التليسي ونص قانون هذا الاتحاد (الثاني) في مادته السابعة على أن ينتخب أمين عام و٧ أمناء مساعدين ويجوز التجديد لهم فترة واحدة مدتها سنتان. وعلى حسب هذا القانون تكون مدة هذا الاتحاد هو الآخر قد انتهت منذ سنة 1985. وهو ما رواه المعلم بأكثر من مناسبة.

فهذا هو الاتحاد الشرعي والقانوني الوحيد وليس على الساحة فعلًا – لأنه لم يكن أصلًا موجودًا– غيره والذي تتمثل فيه إرادة جميع الناشرين العرب الممثلة في مندوبين عن 12 دولة اشتركوا و٧ اتحادات وقد راعينا أن يتم كل شىء حتى تعديل القانون وفقًا لقانون جامعة الدول العربية. والذي ينص على حق تعديله وتغييره في اجتماع المؤتمر العام الرابع ببيروت بعد المؤتمر العام الثالث بالقاهرة. كما أنه الاتحاد الشرعي والقانوني باستشارة المحامين القانونيين على أعلى مستوى مثل الاستاذ شفيق فاخوري في لبنان وهو محام كبير ووزير سابق ومحامي الأمانة العامة للصياغة القانونية النهائية ود. كمال أبو المجد استاذ القانون الكبير المعروف وهو أيضًا مستشار مجلس الإدارة.

فيما روى أنه تم إدخال بعض التعديلات على قانون الاتحاد العربي للناشرين. فقد اتفقوا بالإجماع على أن يكون للاتحاد مقرين لا مقرًا واحدًا، ويكون هناك نوع من تداول السلطة بدلًا من أن يظل على الكرسي شخص واحد متشبثًا به طوال عمره.

على أن يكون المقر الأول هو المقر الرئيس بالقاهرة، والثاني مقر الأمانة العامة ببيروت. كما قرروا ألا يزيد عدد ممثلي أي دولة في مجلس الإدارة على ثلاثة أشخاص بحيث لا يكون هناك هيمنة أو سيطرة أو انحياز لدولة على حساب أخرى. كما يحق للمؤتمر العام أن يجري ما يريد من تعديلات أو تنقيحات أو تغييرات ويحق له إجراء أي انتخابات أو اسقاط أو تجديد الثقة. وهذه التعديلات في النهاية أضفت على القانون الديمقراطية والشورى والمرونة.

ومن أجل هذه المرونة بالذات أعطيت الأمانة العامة لبيروت وظهر الدعم المهول من الحكومة اللبنانية للاتحاد؛ حيث اتفق الناشرون العرب جميعًا على أنشط عاصمتين في وقتها وهما القاهرة وبيروت وإذا كنا نريد عملًا عربيًا ناجحًا وفعالًا يجب ألا يتحول الموضوع إلى صراع إقليمي وقطري. بل يجب أن ينضم الجميع للاتحاد خصوصًا أنه يحق للمؤتمر العام في الإنتخابات المجددة بعد ٣ سنوات أن يغير الرئيس والأمانة العامة وبالتالي يتغير مقر الرئاسة والأمانة العامة. ثم إن النشر والطباعة في لبنان تمثل جزءًا كبيرًا من الدخل القومي وهي بلد خارجة من الحرب وتريد أن تثبت مكانتها وتستعيد مالها وتنطلق. وللعلم أيضًا فإن الوزير فاروق حسني قد وعد وعدًا قاطعًا أنه سيوفر مكانًا لاتحاد الناشرين العرب، يليق برئاسة الاتحاد ومجلس إدارته.

أما عن اشتراك المغرب العربي في المؤتمر العام وانتخابات الاتحاد؛ فقد حدث اتصال قبل مؤتمر بيروت مع رئيس اتحاد الناشرين المغربي الأستاذ عبد الحفيظ الكتاني وبارك جميع الجهود، وأعلن تضافره في خطاب مرسل وقد اعتبرنا هذا الخطاب اشتراكًا فعليًا. أما تونس فللأسف وصلوا بعد المؤتمر، والجزائر ظروفه المحرجة حالت دون ذلك.

هذا بعض حال التغييرات التي شملت قانون الاتحاد، بل والظروف التي أنتجت قبلًا اتحادًا آخر غير ما تم تدشينه في وقت سابق. وهي جميعها مسائل تخضع للرأي والشورى والرغبة في تحقيق المصلحة العامة. الأمر الذي يمثل أحد أهم أهداف الاتحاد من البداية، بجانب أهداف أخرى بالطبع، لنر!

قضى المعلم سنوات طوال برئاسة الاتحاد، بينما يسبقها رؤية وعمل وإصرار، والكثير من النجاحات والأهداف الجيدة للغاية، ومنها تبني حملة قادتها السيدة سوزان مبارك من أجل القراءة للجميع. ولأن القراءة في العالم العربي للأسف الشديد ليست عادة أصيلة ولا يشجع عليها المجتمع ولهذا تبنى الاتحاد هذه الدعوة ودعمها كل الدعم، أيضًا الإكثار من المكتبات العامة في المدارس والمحافظات لأنها تتيح لمن يستطيعون اقتناء الكتاب –لا بسبب ارتفاع سعره – ولكن بسبب قلة مواردهم ومحدودية الدخل. صحيح أن الكتاب المصري كان حينها أرخص كتاب في العالم، لكن المشكلة في الدخل المحدود للمشترين.

وكذلك من أهدافه تنظيم العلاقة بين الناشرين والمترجمين والمؤلفين والمحققين وتوثيق العلاقات مع الاتحادات المهنية الأخرى مثل الكتاب والصحفيين والموزعين وجامعة الدول العربية والمنظمة العربية والإسلامية للتربية والثقافة وتوثيق العلاقة مع الوزارات في العالم العربي.

كما أن الاتحاد حاول بكل طاقته أن يواجه مشكلة التزوير، فهذه هي أهم المشاكل الجسيمة والخطيرة التي تهدد المهنة في أساس وجودها وتهدد حركة الإزدهار الثقافي والإبداعي والاقتصادي في مصر والعالم العربي. فالتزوير لا يحرم المبدع من ثمرة جهده وقوت يومه الذي لن يستطيع الاستمرار والمواصلة دونه، ولا يحرم فقط الناشر من العائد المفروض أن يحميه لأن المزور يبيع بنسبة أقل من الناشر الحقيقي بأكثر من 45 إلى 60% من سعر الكتاب الأصلي لأنه لا يدفع ضرائب ولا جمارك ولا مرتبات وليس لديه جهاز إداري ولا استشاري ولكن التزوير يؤثر تأثيرًا سلبيًا على كل البناء في العالم العربي لأن أساس التنمية هي التنمية البشرية.

أما الثقافة فهي الجزء المهم في هذا البناء البشري ومن شدة خطورة هذه المشكلة وعد السيد عمرو موسى وزير الخارجية وقتها ببحث مشكلة تزوير الكتاب وحماية حقوق المؤلفين والناشرين لأن التزوير لا يهدد الكتاب فقط ولكن التزوير أيضًا في الفيلم والفيديو والكاسيت ويهدر ملايين الدولارات على مصر.

الأمر الذي يأخذنا حتمًا إلى الفاعلية الأهم في السياق الثقافي بالكامل، وربما السياسي والاجتماعي أيضًا، أي إلى الحديث عن المعارض العربية، لأنها المحافل الدولية وأعراس الكتاب الحقيقية. بيد أنها تجلب عدة أسئلة لا بد من التفكير بها، أي ما هو شكل المعرض وما هو المرجو بالفعل من إقامة المعارض، بما فيه سؤال عن الناشرين وأهمية الكتاب.

وما أشرنا إليه بالنسبة لضرورة التعاون بين المشتغلين بصناعة الكتاب العربي جميعًا، هو ما يجب قوله للخروج بصورة مشرفة للمعارض العربية على أكمل وجه. غير أن "المعلم" ير بعض الموانع التي تعيق هذا التعاون؛ حيث هناك مثلًا هناك صراعًا خفيًا بين عدة أطراف للرغبة في السيطرة والتحكم، والخوف من الإستقلال والحرفية سوف تهدد سيطرة أناس ما، حتى أننا قلنا لهم لا تخافوا، إذا كانت الحكومة، والبيروقراطية تريد السيطرة على الندوات؛ فافعلوا ما تريدونه في الندوات، أما المعرض كمعرض، هذا معرض كتاب، فليس هناك معرض في العالم تحدد قيمته؛ الندوات التي تجري خلاله، فهذا شئ جانبي، ومن المضحك أيضًا أن توجد صالة تحتوي على مائتي كرسي، ويخبروك أن الحاضرين كانوا خمسة آلاف، لماذا؟! لماذا تقول ذلك؟! المعارض كلها في العالم ليست مباراة كرة قدم! وعندما أقوم بعمل معرض مثل هذا؛ الأهمية الأولى لمصر كلها، وللثقافة المصرية، والعربية أنني أقوم بدعوة ناشرين، ووكلاء أدب، ومديري مكتبات، وشركات توزيع من الدول التي يوجد بها فرص أن أوصل إليها الكتاب، أحضر أناسًا من إندونيسيا، وماليزيا، ومن الصين، ومن أمريكا، ومن غيرها. ولعل هذا هو ما يرسخ مكانة أي بلد أرادت كقوة ثقافية كبرى. وهناك على سبيل المثال، معرض أبو ظبي الذي تعاون مع معرض فرانكفورت، وقد كان عدد الناشرين الدوليين الذين يقومون بزيارة معرض أبو ظبي، التي هي البلد الصغيرة الجميلة؛ أضعاف من يأتون لزيارة معرض القاهرة. إلا أن "المعلم" يرى كناشر، وهذه صنعته، ومهنته، وقد بدأ الحديث على أن معرض القاهرة الدولي للكتاب؛ هو من أهم المناسبات على هذا مستوى مصر، والعالم العربي. على الأقل حتى وقتنا الحالي! هذا بالطبع مثير للتساؤل، بالأخص ونحن نرى عاوصم ثقافية عربية أخرى، ترى الرياض الآن والدوحة وأبو ظبي ودبي وغيرها. فهل يمكن اعتبار أن الدور الثقافي لمصر، أو الأثر الخاص للمعرض؛ يمكن أن يكون قد بدأ في التآكل أو التراجع! يجيب المعلم: بالطبع لا، ففي الأخير هذه عواصم عربية عزيزة، لكن كم سيكون عدد القراء والزائرين؟! وكم عدد الكتاب هناك أيضًا؟! وعدد الناشرين من أهل البلد نفسها كم سيكون؟! إلا أن هناك في رأيه لديهم بالطبع بريق إعلامي هائل وتسويق على أعلى مستوى. لكن هذا لا يعني بالضرورة تراجع الدور المصري حتى لو بدا في السنوات الأخيرة خافتًا أو متواضعًا، الثقافة تتحدد بعوامل أخرى غير الأضواء المبهرة عزيزي القارىء! اللافت في المسألة حسب رأي المعلم وما أفاد به في أكثر من لقاء في السنوات الأخيرة، هو أن تراجع هذا الدور يحدث من دون أي مبرر يذكر سوى رغبة خفية عند البعض لتهميش الدور المصري والثقافة المصرية. فمثلًا، الجائزة الدولية للأدب العربي؛ أصبح مقرها أبو ظبي، ويحضر إليها الناشرون ووكلاء الأدب من جميع أنحاء العالم؛ لإعلانها، كل هذا جيد. أما وأنت الأخ الأكبر، والعاصمة الأكبر، كل هذا سيكون مفيدًا، لا أحد يستطيع أن ينافسك، لكن لا يجوز أن تهمل في نفسك، ولا يجوز أن يكون لديك هذه الفرصة الذهبية؛ ولا تطورها، ثم بعد ذلك فإن لديك كنزًا. هو ما يثير التساؤل مرة أخرى عن دور الدولة والحكومة، فهذه أموال دافعي الضرائب، ولا يجوز أن تأخذ هذه الأموال الطائلة كي لا تشجع ثقافة البلد بمختلف اتجاهاتها. فعندما نأتي إلى فرنسا مثلًا، نرى ما لم نفعله أو نشجع عليه ولنا سنوات نقول؛ مثلما تفعل الدول التي تريد النهضة والازدهار، أن نساهم بدور فعال بدرجة أكبر من هذا حتى لو بأشياء بسيطة مثل أن تضع كنوز الثقافة والأدب الماضي على الإنترنت؛ لأن هذا هو المستقبل.

أما من أجل توسيع دائرة التأليف، والنشر؛ وبالتالي القراءة؛ لا بد من إدخال جيل جديد، بفكر جديد، يقدم نتاجه لكم، فلمن يقدمه؟ والباب عند معظم دور النشر مغلق على أسماء بعينها، على نجوم، على ستارز! أما الشباب القادم إلى هذا الحقل، ولديه ما يقوله، من يقف جواره؟! ومن دون تجميل للمشهد يقول المعلم: أن هناك جزءًا كبيرًا من هذا الكلام صحيحًا، فبالطبع زاد عدد الناشرين كلما زادت الفرصة. وكل ناشر؛ لا بد أن يبحث عما ينشره ويحصل أرباحه من خلاله؛ لكن لكي ينجح هذا المشروع، وينجح تشجيع المؤلفين الجدد، والمبدعين الشباب؛ لا بد أن تكون هناك حركة نقدية، واهتمام إعلامي، وإلا عندها؛ سيصدر الكتاب في السر، ويختفي في السر. ببساطة لأن الإنتاج الموجود أكبر كثيرًا مما يعرض، أو يتم نقده. بدليل أن الكتب التي فازت بجوائز، ككتب الأطفال مثلًا؛ لم يكتب عنها أحد تقريبًا، يعني كتب الأطفال لا تعرض، ولا تنقد، ولا يتكلم عنها أحد؛ مع أننا كلنا مهتمون، ونتكلم عن الأطفال، والمستقبل. ليس فقط للكتاب، حركة النقد عمومًا تكاد أن تكون متراجعة تمامًا عن حركة التأليف، أي أنها غير موازية له. وفي الحقيقة لا يمكن أن يتقدم التأليف، ويزدهر؛ خصوصًا الجديد؛ إلا في ظل حركة نقدية، ولا بد أن تكون هناك مساحات كافية في الصحف، وفي وسائل الإعلام. وقد كانت المجلات الأدبية ذات شأن مسموع ومؤثر من قبل، لكنها الآن طلل على طلل! وربما يسعنا أن نؤكد مرة أخرى على أن الكتاب العربي؛ هو وسيلتنا لعبور إلى مكان أفضل حضاريًا، وهو وسيلتنا للإنماء الفكري، والعقلي الذي لا يجعلنا فقط نثري ثقافتنا؛ بل نفهم غيرنا، ونفهم واقعنا، ونستطلع مستقبلنا. ومن هنا فإن الاهتمام بهذا القدر بالفكر العربي، وقد ظهرت له بوادر كثيرة في عواصم عربية كثيرة، ومن بينها، وربما في مقدمتها؛ مصر، أننا لا بد أن نيسر التعاون أكثر بين بعضنا البعض للإعلاء من شأن الكتاب العربي؛ سواءً في الرسوم، أو الإجراءات، وفي الرؤية الفكرية، وفي حرية التعبير، وكل هذا يصنع في النهاية؛ بوتقة تنصهر فيها كل هذه العناصر؛ لكي تعطينا مجالًا جديدًا؛ لفكر جديد، ولاد وخلاق، يقول: "ها أنا ذا الإنسان العربي ، الذي يعيش عصره، ويعطي لعصره، ويأخذ من عصره كذلك ".

ولم يعد يخفى على أحد كما أشار رائد نشر الكتاب العربي "إبراهيم المعلم" إذ بالفعل هناك وسائل بديلة؛ لكنها لا تعتني بهذا الجانب الإبداعي أحيانًا؛ الإعتناء الذي يخلق الوعي، والحركة النقدية التي تتيح للقارئ معرفة ماذا يدور في العالم، وماذا يريد أن يعرفه، وماذا يريد أن يخبره، حجم المساحات المتاحة في العالم العربي كله للكتاب، وللفكر الجديد، وللإبداع والعرض، والنقد؛ قليلة جدًا جدًا؛ سواءً في الصحف، أو في التليفزيون. وهو ما بحثه كثيرًا كرئيس لاتحاد الناشرين العرب؛ وسعى إلى ذلك، وفي كل بلد ذهب إليه، حاول أن يلتقي مع وزراء الإعلام ورؤساء التحرير؛ يرجوهم، أن المساحات المتاحة للثقافة عمومًا، وللكتاب خصوصًا؛ لا بد من زيادتها، وأن يكون هناك تيسير كبير للإعلام، والإعلان عن كل جديد في الكتب العربية، والعالمية. الأمر الذي يثير نقطة في غاية الأهمية من حيث توفير الكتاب بأسعار مناسبة. أي توفير طبعات شعبية من الكتب! يقول المعلم: لو نظرنا إلى الخارج فسنجد أن الكتاب الفاخر هو الكتاب ذو الورق المصقول، والذي يصل وزنه لأكثر من مائة جرام، وذو تجليد يسمى؛ تجليد أفرنجي، تجليد فني، وجاكت، وهذا يتراوح سعره حوالي ال ستون دولارًا أو أكثر. أما بالنسبة للكتاب الشعبي في أمريكا سعره حوالي أربعة دولارات وهو كثير قياسًا على مقابل الدولار الواحد من العملات المحلية مع الأسف. ويكون نفس الطبعة الفاخرة، لكن على ورق أقل. النقطة أن الكتاب العربي؛ لا نستطيع معه أن ننتج الكتاب الفاخر، فننتج كتابًا شبه شعبي، لكن يحكمنا في ذلك أن الورق معظمه مستورد، والأفلام، والأحبار، وماكينات الطباعة معظمها مستورد هي الأخرى من الخارج؛ فلا سيطرة لنا على التكلفة، بالعكس معظم الدول؛ هناك جمارك، وضريبة مبيعات على كل هذه المستلزمات، وتشكل تكلفة عالية؛ فبدلًا من دعم الصناعة، نزيد أحيانًا من الارهاق اللاحق بالناشر والقارىء على حدٍ سواء. ما يجعل على الأقل؛ من ضرورة عدم الإفراط في هذه الأمور، والحل الحقيقي هو في تقليل الجمارك، والمصاريف، وفي الإكثار من المكتبات العامة، فالمكتبات العامة ستؤدي إلى تحقيق هدفين: الأول: ستتيح المجانية للقارئ. الثاني: ستحسن اقتصاديات الكتاب، وبدلًا من أن تكون الكمية المطبوعة ألفًا أو ألفين؛ ستكون عشرة آلاف، أو خمسة عشر ألفًا؛ وبالتالي يقل السعر.

تجربة ناجحة بالفعل لأن هناك دعمًا من الحكومة، وعدد من الوزارات، كلها قامت بالدعم، وأوصلت للقارئ عددًا هائلًا من الكتب، ولذلك في إتحاد الناشرين؛ كان قرارنا بالإجماع؛ في اختيار أحسن ناشر في عام من الأعوام؛ السيدة سوزان مبارك؛ عن مشروع مكتبة الأسرة، بسبب أن هذا مشروعًا يسعى بالفعل إلى تيسير أكبر عدد من الكتب؛ لأكبر عدد من القراء، وذلك في إخراج جيد، وسعر مناسب، يغطي كل أنواع العلوم، والتنوع في مجالات المعرفة، مع الإحتفاظ بالسمات الأصيلة في حضارتنا، وفي نفس الوقت هناك احترام لحقوق المؤلف، والناشر؛ فليس بحجة أن هذا كتاب شعبي؛ يتم هضم حق المؤلف، كما أن هناك بداية تعاون بين القطاع الخاص، والعام؛ لذلك يمثل بالفعل نهضة في الإتجاه الصحيح. ولعل القارىء قد يتعجب من الانتهاء أثناء الحديث عن اتحاد الناشرين العرب، بحديث عفوي/ بسيط تمامًا عن مكتبة الأسرة في تجربتها الجيدة، وهي جيدة لأنها مثال ممتاز من حيث الفكرة، حتى لو طال التفيذ بعض التقصير وبعض النقاط السلبية التي لا بد من أخذها في الاعتبار جيدًا، ولأنه من الضروري جدًا تجديد الأمل وتجديد المشروع وإلحاقه بمشروعات مشابهة في كافة الدول العربية. والآن ننتقل إلى حديث أكثر خصوصية عن اتحاد الناشرين المصريين وعن الكتاب المصري أيضًا بكل شئوونه وهمومه في الوقت نفسه.
>