إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة جريدة الشروق وعضو مجلس إدارة النادي الأهلي، بدأ مسيرته في النشر في أواخر الستينات، وساهم في تطوير النشر بمصر من خلال التعاون مع أبرز المبدعين في العالم العربي، مما جعله يفوز بجوائز عالمية. انتُخب رئيسًا لاتحاد الناشرين المصريين عام 1996، وأول عربي ينضم للجنة التنفيذية بالرابطة الدولية للناشرين، مدافعًا عن حقوق الملكية الفكرية ومشجعًا للحوار الثقافي. عانى من صعوبات شخصية، منها فقدان والده وإشاعات طالت عائلته، لكنه تجاوزها بروح مرحة. عوض أحلامه الرياضية بإنجازات كبيرة في مؤسسة الشروق التي أعاد تأسيسها بعد إفلاسها، محققًا مشروعات ريادية في النشر والصحافة والثقافة.
تخّرج المعلم، أو الباشمهندس، كما يناديه الناس، من كلية الهندسة بجامعة القاهرة. يقول ضاحكا: "لم أحبها. ومازلت لا أحبها. لكني التحقت بها لأن درجاتي في المدرسة كانت مرتفعة." وباعتباره بطل سباحة، فقد سجل أرقاما قياسية جديدة في سن الرابعة عشرة وكان أول شاب في الثالثة عشر يمثل مصر في مسابقة سباحة دولية للرجال. لكنه ترك الرياضة في سن الثامنة عشرة بسبب تشخيص خطأ. وهو يرى أن هذا أمر مضحك: "قيل لي إن لدي قرحة، لكني اكتشفت فيما بعد عدم صحة ذلك."
من مواليد القاهرة في عام 1945 (ويقول ضاحكا: "لكن الناس تظن أني من مواليد 1955.") وهو يتذكر صدمة التأميم جيدًا. وقد تميزت سنوات تكوينه بانهيار عمل والده. "تقاعدت أمي التي كانت ناظرة مدرسة مبكرًا كي تحصل على مكافأتها وأعطتها لوالدي كي تساعده. ولم يكن هناك حل آخر سوى أن نعمل معه. وفي ذلك الوقت كنا مفلسين." وانتقلت الأسرة إلى بيروت في عام 1970 وبقيت هناك حتى عام 1983 لإدارة فرع بيروت.
قبل ذلك كان المعلم قد عمل في القسم الرياضي بالأهرام لمدة ثلاث سنوات. وعلى الرغم من قصر المدة التي عملها في هذا المجال، لم يتدنى حبه للرياضة، وأصبح نشيطا بشكل كبير في النادي الأهلي. ثم أمينًا عامًا للصندوق، لكنه لم يعد يحب ذلك. "لقد نفرتني تلك البيئة تمامًا. وقد أراد أن أستقيل." إنه ينفجر ثم يأخذ يضحك. والواقع أن الضحكات تفصل بين جمله، التي تتبعها باستمرار تقريبا "صح ولا غلط؟"
نحاول أن نجعله يكشف ما هو أكثر قليلًا. يبدأ ثم يتوقف. أصر فيقول بضع كلمات أخرى، ثم يتوقف مرة أخرى ويبتسم. يقول منهيا المناقشة: "لا أحب في واقع الأمر الحديث عن نفسي." وهو المعلم الذي ترأس كل من اتحاد الناشرين المصري واتحاد الناشرين العربي، ثم مستشارًا لمجلس الناشرين التابع لليونيسكو، ويؤكد أن "الأمر الأكثر أهمية هو رئيس مجلس إدارة دار الشروق." وتصدر عنه ابتسامة فخر.
كما أن له من الأبناء شريف المعلم مدير التطوير في مطابع الشروق ونهى المعلم بكالوريوس إعلام. أما الأصدقاء فهم كثيرون ومنهم أفراد عائلته فهم أقرباء وأصدقاء ثم أحمد علام والدكتور مصطفى الفقي والفنان حلمى التوني والفنان مصطفى حسين والدكتور محمد رياض والمهندس عقيل بشير والمهندس محمود داود وعماد تيمور وصالح سليم ومحرم الراغب وحسام بدراوي وحسن حمدي وأحمد الزيادي والناشر أنسي الفقي والناشر محمد إبراهيم.
ولعل شهرته ونجاحه واتصالاته تجعل من المحتم ظهور صورته في صفحات المجتمع كثيرًا جدًا. وهو يعترض قائلًا: "قصدك إيه، أنا شخصية عامة؟" لكن يبدو أنه اكتسب مظاهر رجال الأعمال الأثرياء: الظهور في المجلات، حفلات الاستقبال الرائعة التي يقيمها، أثاث مكتبه الشيك المكسو بالجلد الزيتي (الذي يتماشى مصادفة مع سيارته المرسيدس)... الواقع أن المعلم يبتسم عندما يجيب: "لست رجل أعمال، أنا ناشر. وبالإضافة إلى ذلك أن شخص اجتماعي، أحب التواصل مع الناس، وليس لي أن أفعل شيئًا حيال ذلك." ويضيف أن مكتبه يبدو جيدا "ذلك لأن عملي يتعلق بكل ما هو جميل. أنا أتعامل مع أفضل الكُتَّاب والرسامين والفنانين والأشخاص المبدعين."
وسواء أكان المعلم رجل أعمال ثري أم لا فهو يمضي نحو تحقيق أحلامه. وعلى أية حال فإن مستقبل النشر، ومفهوم المكتبات، ونوعية الكتب التي سوف نقرؤها في السنوات المقبلة لن يشكلها رجل آخر. إذ أن دوره هو المرشد الدائم في العالم العربي حيث ينشر مبادئ الحرية والمساواة من خلال نشر آلاف الكتابات التي جعلت آلاف الأصوات على الشاطئ الجنوبي مسموعة. فمن نجيب محفوظ إلى علاء الأسواني، وجد كُتَّاب العالم العربي الأكثر أهمية في إبراهيم المعلم قناة معلومات أمكن من خلالها الانتشار في العالم العربي وفي كل أشكال الحياة العالمية التي أكدت التشابهات بين الثقافات المختلفة، الأمر الذي يسهم في معرفة حقيقية واحترام متبادل
يحكي عن نفسه أنه عاش سنوات طويلة في بيروت، قرابة أربعة عشرة سنة. يقول: لقد بدأنا مسيرة النشر منذ سنة 1942 م، ثم حدثت الحرب العالمية، وبدأت دار القلم، التي كانت ناجحة جدًا، ثم تم تأميمها، ثم حدثت ظروف بعدها، وهو أنه تم تعيين رئيس مجلس إدارة، ثم اعتقال لفترة، ثم خرج، ثم بدأنا من البداية، من الصفر، فجاء الاسم بعد الغروب، الشروق.
وحيث بدأت الشروق في 16 شارع جواد حسني، ودائمًا ما تيمن بالأشياء الجميلة، فجواد حسني بطل شاب، ويمثل الوطنية والشباب والتضحية، وكل شئ. وأيضًا عنده قدر من الثقافة، لأنه قبيل استشهاده؛ رسم خريطة مصر بدمه! بدأ بحجرة في شقة في 16 جواد حسني، وفي نفس الوقت بدأت دار الشروق ببيروت، وبقيت في بيروت حتى سنة 1982م، أو 1983م. يقول: كنت أحضر إلى مصر قليلًا، لكن معظم الوقت في بيروت، وكانت فترة غنية، وخطرة، وخصبة، وفيها الكثير لنرويه. ما بين القاهرة، وبيروت كانت هي البداية القوية، والأساس الذي بنيت عليه ما نراه اليوم، الكتب الناجحة، والمؤلفين الكبار، ومخاطر بالطبع، حيث دارت الحروب.
يقول المعلم: وحيث عانيت، المكتب، والمخازن كلها تم نسفها، وسرقتها، ونهبها، بما فيها الملفات، والعقود؛ فالناشر ما هو في النهاية إلا ذخيرته، وكنزه هو ما عنده من المخطوطات، والكتب، وما عندك من ملفات، وعقود، وأفكار؛ وعندما تجد أن كل هذا قد انتهى، ثم تبدأ من الصفر؛ بدون ذاكرة! فقد انتهى الأمر؛ فنحن دائما نتذكر الأشياء التي قد حدثت قبل ذلك، كما حدث لوالدي؛ عندما أخذ منه كل شئ، وتم اعتقاله، وخرج إلى الصفر مرة أخرى، هذه هي ضريبة الحياة في هذه المنطقة المضطربة من العالم، فلا بد أن تدفع ضريبة العيش فيها.
وبالرغم من أن سنوات بيروت كان بها الكثير من الألم والأمل مع ذلك، إنما كانت مع ذلك فترة غنية؛ حيث قامت الشروق بعمل كتب متميزة، وعملنا لكبار المؤلفين في مصر، وفي العالم العربي، وانفتحت على العالم كله، وبدأت قبل أي أحد آخر شراء حقوق نشر كتب الأطفال خصوصًا، ومن ضمن الأمور الخطيرة التي يمكن التساؤل عنها؛ ألا وهي، الحرق، والخطف، والنهب، وأن المعلم شخصيًا تم اختطافه!
لقد تم اختطاف "المعلم"، وتم وضعه في زنزانة تحت الأرض! يحكي هذا المشهد، وما كان لوصفه وقع نفسي أليم، فهو الآن مخرج فيلم حياته الوحيد؛ وحيث توجد هناك مشاهد لن ينساها أبدًا؛ كمشهد الخطف ذاك! يقول: الذي حدث؛ هو أننا كنا نحتفل بانضمام الأستاذ حلمي التوني لأسرة الشروق، ومررت عليه بالمنزل تكريمًا، وتقديرًا؛ لأصطحبه، وأثناء ما كنا في الطريق؛ وجدنا جثمان صديق لي وله؛ اسمه رياض طه، كان نقيب الصحفيين اللبنانيين، وقد اغتيل، وبعدها قمنا بعمل الإجتماع. فقد وجدنا جثمانه في الشارع، وكان ذلك أمرًا مرعبًا للغاية!
يحكي أنه للأسف كانت هذه مشاهد مكررة، وليس في استطاعة أحد إلا أن يحزن، غير أن يغضب، أن يندم، أن يتمنى لو أن الحروب والقتل تنتهي في يوم من الأيام! ولكن كيف؟ لا أحد يعلم. وعنده قاموا بعمل اجتماع طويل وحضر المديرين لوضع رؤية للفترة التالية في هذا الوقت العصيب. وفي نهاية الاجتماع؛ اقتحم عدد من المسلحين بمدافع رشاشة، ليسألوا: أين إبراهيم المعلم؟
ثم في زنزانة تحت الأرض، زنزانة ضيقة جدًا، طول الوقت يستمع لخطوات بالخارج ولا يدري فعلًا ماذا فعل؟ ولا من هؤلاء؟ ولا بطبيعة الحال ما يتم تدبيره؟ فقد تم اختطافه من لبنان، ليذهبوا به خارجها، وكان طول الطريق؛ يدور الحديث حول شتائم في الرئيس السادات.
يقول: كنت في زنزانة صغيرة، وأسمعهم يحكون حكايات على أنه كان هناك شخصًا مصريًا يعذبهم! ثم بعدها بإثنين وسبعين ساعة؛ أتوا إلي يعتذرون، قائلين أنهم أخذوني عن طريق الخطأ، وهكذا عدت مرة أخرى. أما في الزنزانة؛ فإن كل شريط حياتك يمر أمامك مرة أخرى، وأنت صغير، وأنت كبير، والمزايا، والعيوب، والتقصير، وتشعر بالذات. يعني أولًا أنك على الحافة! هنا تدرك فعلًا قيمة الأشياء، هنا عرف إبراهيم المعلم من أين يبدأ وما هو الحدث الذي أعاد تشكيل حياته مرة أخرى بشكل مغاير عما سبقه. بينما كان عمره حوالي أقل من ثمانية وثلاثين سنة. غير أن أهم ما كان يخشاه؛ هو التعذيب المهين، أن يتعرض لإهانات لا يستطيع صدها ولا ردها، يكون فيها الألم النفسي، والإهانة، والتعذيب الجسدي. يقول: كنت أفضل أن أموت؛ على أن يحدث هذا.
كان يفكر أنه ليس جزء من القضية، ولن يكون مناضل سياسي، غير أنه دافع عن القضية بطرق مختلفة، أي طريق الوعي! إذ يشاهد ما يحدث ويظل يفكر. يفكر في صداقاته، يخشى على الأولاد، على أمه، ويخشى من التأثير الواقع عليهم جراء ما يحدث. تذكر زوجته وأولاده وتساءل هل أعطيتهم وقتًا كافيًا؟ وهل إذا خرجت؛ سوف يغير برنامجه، ولن يكون للعمل فقط، وهل كل صداقاته كانت حميمة، وكافية أم لا؟
لحظتها انتبه أن العمل، والإنجراف إليه؛ لطيف، ومنجز؛ لكن الإنسان لا يعيش وحده، الإنسان إذا كان مهندسًا، أو ناشرًا، أو كاتبًا، عليه عمل؛ إنما هو في نفس الوقت؛ إبن، وأب، وزوج، وصديق، وأخ، وكل هذه الأمور لا بد أن تسير معًا، وكلها أدوار مختلفة تكمل بعضها البعض، والإمتياز؛ أن تقوم بعمل هذا التوازن، وفي نفس الوقت تتعلم، وهذا قد تأكد فيما بعد في لحظة أخرى؛ لحظة حزينة أيضًا، عندما رحل الأب وهو معه خارج البلاد، تلك لحظة فارقة بالفعل في حياته.
يحكي أيضًا أن عندنا مشكلة نحن الرجال، خصوصًا في منطقتنا، أنهم لا يعبرون عن مشاعرهم بسهولة، ونحن نتعلم منذ صغرنا، ولا نتعلم، وفي هذه اللحظات تقولين أنه كان يوجد الكثير، وكان يفترض أن تعبري عنها، فعندما حدثت اللحظة الأقصى؛ عندما كنت مع والدي يرحمه الله في واشنطن، وتم عمل عملية قلب، وشفي، وتحسن، وكل شئ بخير، وخرج الطبيب، وبدأ الحماس، وسوف نعمل، وسوف نجدد. وفجأة؛ توقف قلبه ثم ظل أربعة أيام، وعاد القلب للعمل؛ لكن المخ لم يعمل، فلا تعلم إن كان على قيد الحياة أم لا، وفي مثل هذه الأحوال، أن تظل معه؛ وحدك في غرفة لمدة أربعة أيام، ولا تعلم إن كان على قيد الحياة أم لا، ثم تكتشف أنه في بلادنا؛ عادة الأب، والأم يتحدثون مع أبنائهم، ويعبرون عن مشاعرهم؛ لكن الإبن لا يعبر أبدًا. يظن أنه من غير الضروري التحدث!
لم أقل له أنه أستاذي، أنه مثلي الأعلى، وإني أحبه! لم أقل؛ فعدت نادمًا! وتعلمت من وقتها أنه عندما يكون هناك مشاعر حقيقية لأي إنسان، أن لا أنتظر حتي أعبر عنها، فلا بد وبقدر الإمكان؛ من قولها! وهذا ما لم يحدث مع والده! لم يتم فعلها. يقول: أنا خصوصًا بالنسبة لي في هذه المسألة؛ فإن علاقتي بوالدي؛ كانت علاقة صداقة حميمة جدًا، وكان يعتبرني وأخي أصدقاؤه، ومستودع سره، ودائما نفكر ونخطط، ومع والدتي. كان له تنبؤات وأحلام. فكلما تسير في حياتك؛ وتحقق أشياء؛ فكأنك تحقق ما كان يتمناه هو أيضًا!
من تلك اللحظات الفارقة كما يحكي، ولدت الأحلام العظيمة كلها، أي أنه من رحم المعاناة تكون النجاة ويكون التحقق، وتكون الرؤية الأوسع. من هنا بدأت الأحلام في التشكل، وتأسيس رؤية تفوق ما يحدث حوله، وربما تفوق ما يطرحه الواقع ذاته.
لعل الأحلام تتغير، فالإنسان وهو طفل لديه أحلام، وربما تتغير مستقبلًا. يقول المعلم: حلمتُ عندما كنت طفلًا أن أكون بطلًا عالميًا في السباحة مثلًا! فقد بدأت في السباحة، بدأت أن أكون بطلًا في السباحة؛ ثم بعد ذلك، وفي لحظة من اللحظات تيقنت أنني لا يمكن أن أكون بطلًا للعالم في السباحة؛ إلا لو سافرت، وعشت في أمريكا، وتمرنت في أمريكا، وتهيأت في أمريكا، وفي النهاية؛ إن أردت أن تظل في مستوى جيد؛ فلا سبيل إلى ذلك! كما ساعد على ذلك أن أتى تشخيص طبي خاطئ؛ فتوقفت مع الأسف.
أيضًا عندما بدأنا النشر كان دائمًا لدينا أحلامًا كبيرة؛ أن نصل لمستوى النشر في العالم، وكيف أن هذه المهنة متقدمة، وكيف أن هذه المهنة؛ بها نور، وبها خيال، وفيها إبداع، وفيها إتقان، وفيها منافسة، وفيها تكامل، وفيها حقوق ملكية فكرية، وفيها كل الثقافات، وفيها كل العلوم، والمعارف التي تصب فيها، وفي النهاية فإنك توصلها لأكبر عدد من القراء، ومن المتلقين بأيسر، وأبهج، وأجمل صورة، فلما تبدأ في الأول صغير، والظروف، تبدأ من الصفر، فهناك أحلامًا كبيرة جدًا؛ لكن إمكانيات مادية ضعيفة؛ لا تنتهي بالوصول عادةً.
وقد كان من ضمن توقعاته، أي محمد المعلم – التي حدثوني عنها؛ أصحاب له؛ مقربين جدًا – بعد وفاته، قالوا لي؛ انتبه كل ما قمتم به هذا؛ إن شاء الله، أنت وعادل سيكون أكبر بكثير، وقمتم بعمل أشياء كان يتمناها، ولم يستطع! أي أن تكون لكم مكانة عالمية ودولية في النشر. يحكي "المعلم" أنه بعد ذلك؛ كان لديه هدفًا، أو كانت من ضمن أهدافنا أن نكون! مسألة تنمية حقوق الملكية الفكرية، ولأن التجارب التي حدثت، أنه تم الإعتداء عليه، وعليّ في الشارع، من مزوري الكتب! الاعتداء كان على يد الغاضبين من حملاتنا ضد التزوير ومن أجل قانون لحماية الملكية الفكرية.
وبالطبع فإن كل مرحلة يرى الشخص فيها أشياء أخرى. أي أن هناك مرحلة؛ لم أكن أعرف أنني سأكون ناشرًا أساسًا! ومرحلة كنت أظن أنني سأكون رياضيًا، وكانت هناك مرحلة كنت أظن أنني سأكون عالمًا في الذرة، وكنت أحب الطبيعة، وحصلت على 30 من 30 في الثانوية العامة! مراحل، هناك مرحلة كنت أحب فيها الموسيقى؛ فتخيلت أنني سأصير مايسترو؛ مثلًا. لكن بعد ذلك تنظر إلى الحياة، وإلى أحلامك والظروف الحياة؛ تغير كل شيء!
يقول: ولما التحقت بكلية الهندسة؛ كنت وقتها تلميذًا للأستاذ عباس العقاد. وأنا من الناس الذين تأثروا كثيرًا به في حياتي، من بعد الأم والأب، وهذا شئ منطقي، ثم الأستاذ عباس العقاد، وبعد ذلك، والأمر اللطيف أن معظم الكتاب الذين ننشر لهم؛ علاقتنا بهم؛ علاقة حميمة، وعلاقة تكامل، وعلاقة صداقة، وأخوة، أو تلمذة، وأستاذية. حيث أنهم في النهاية ستكون دار النشر هذه هي ملكهم جميعًا، وهذه الأفكار؛ أفكارهم جميعا، فعباس العقاد كان يجعلك ممتلئة بالأفكار، هو كان قيمة الفرد، وقيمة الحرية، وقيمة الشجاعة، ومقاومة الحكم الشمولي، عنده عالية جدًا، فكان يغلب عليّ التفكير الفلسفي، وتفكير الشجاعة وغيرها. وكان والدي يترك لنا حرية الاختيار، ولكنه نصحنا نصيحة واحدة فقط، وقال إنه في ظروف البلاد العربية؛ التي تحكمها نظم شمولية، مهما كنت تريد أن تعمل، في الصحافة، أو النشر؛ يستحسن أن يكون لديك تخصص تقني، ثم قم بما تريد أن تفعله بعد ذلك، وكان يعطينا أمثلة مثل جلال الحمامصي، وأناس غيره، فدخلت كلية الهندسة؛ لكن في كلية الهندسة كان عندي آمال، آمال لها علاقة بتخصصي الهندسي، وكانت صدمة حياتي في الكلية هو مستوى الأساتذة، والطريقة التي يتعاملون بها مع الطلاب؛ طريقة ليس فيها حب، وليس فيها أستاذية، ولا فيها بحث، ولا فيها إبداع؛ إلا عدد قليل من الأساتذة المتميزين جدًا، وكانت صدمة كبيرة؛ لدرجة أنني لم أكن أحب معظم هؤلاء الأساتذة، إلا عددًا قليلا أحبهم، وأحترمهم حتى الآن، والعدد الأكبر ما زلت لا أحترمهم.
ولا شك أن العمل في صناعة الفكر، أن هذا أمر صعب جدًا، ليتبادر إلى الذهن سؤال: كيف استطاع الإستمرار، وكيف أتته الجرأة أن يعيش في هذه الصناعة، وهل هي هواية أصلًا، أم حب للعمل الإبداعي، أو الأدبي؟ يقول: هي صعبة جدًا، ولكن في نفس الوقت لا بد أن تؤمن بها! كان أبي يقول: إن من يعمل في النشر، لا يصلح له أن يحبها فقط؛ وإنما لا بد له أن يعشق هذه المهنة؛ وإلا فما له إلا أن يمتهن بمهنة أخرى. وهي كذلك، لكن للحق أنك عندما تندمج فيها، فإنه في النهاية تصبح جزء منها مسئولية، وفي ظروف كظروفنا، فلربما النشر في العالم الأكثر تقدمًا؛ الجزء الإقتصادي فيه كبير، والجزء المهني كبير، لكن هنا الجزء المهني، والجزء الإقتصادي؛ غير كاف؛ فلا بد أن يكون الجزء الوطني، والجزء الضميري، وجزء الإحساس بالمسئولية؛ على نفس الدرجة أو أكبر؛ وإلا تكون بالغة الصعوبة، وبالغة التعقيد، فلا أحد يتخيل ما تعرضنا له، فأنا قد خطفت، وحبست في زنزانة تحت الأرض، وقدمت لأمن الدولة مرتين!
أما مسألة الخطف فكانت في لبنان وذكرتها سابقًا، وأيام مبارك قدمت لمحكمة أمن الدولة مرتين؛ بسبب كتب، مرة كانت بسبب نشر الفكر الشيوعي، ومرة بتهمة ازدراء رئيس الجمهورية، واحتقار نظام الحكم! والأخيرة على طرافتها فكانت بسبب كتاب اسمه كتاب الحجاب، كتاب مترجم، وصدر في لبنان، ونحن كنا نبيعه في المكتبة، وتم تقديم شكوى بخصوصنا، والحمد لله؛ المحقق كان محققًا محترمًا، وكان رئيس نيابة أمن الدولة وقتها؛ هو المستشار عبد المجيد محمود!
ومرة أخرى بسبب كتاب؛ اسم مؤلفه سري، فلا يوجد أحد يعرف اسمه الحقيقي، عن قصة الحزب الشيوعي المصري، ونحن لم نكن ننشره حتى، كنا نوزعه فقط، فحدثت رقابة، ورأوا الشيوعيين يشتروه، وحدثت هذه القصة. إنما كان هناك هامش من الحرية، وكان هناك أناس من القضاء؛ كان من الممكن في نظم أخرى "انتهى الأمر"! أليس كذلك، أم لا؟! ثم أننا في السنوات الأخيرة؛ كانوا يغلقوا لنا مصانع، ويلغوا لنا عقود، وكان هناك محاولة جادة، لأن تحدث مصاعب مالية، فنفلس، ولا نكمل الطريق! إلى هذه الدرجة قد يصل الاستبداد!
عانى المهندس إبراهيم المعلم من كثرة الإشاعات وحملات التشويه مثلما هو حال الكثير من الشخصيات الناجحة، والتي لا يتفق عليها الناس على الدوام، باختلاف توجهاتهم وآراؤهم. لدرجة أنه ذات مرة وهذه حكاية جديدة مضحكة، وقمنا برفع قضية، قال أحدهم، مكتوب هكذا في الصفحة؛ أن "المعلم" ملك الويسك!
وقيل أنه ذات مرة كان حسني مبارك؛ كان يمشي في بيتهم، وهناك عدد من الكراتين مكتوب عليها دار الشروق، وقد سأل ما هذا؟! هل أرسل لي "المعلم" كتبًا؟ فقالوا له؛ لا؛ هذا ويسكي فاخر! حتى أنهم لقد زوجوه بأناس كثيرين للغاية، وقيل أن أخته تزوجت ابن فلان، أخته التي توفاها الله، وعمرها عشر سنوات عام ألف وتسعمائة وستين1960م! وقيل أنه يتمشى في النادي الأهلي مع واحدة متبرجة، وترتدي ميكروجيب، والأعضاء مستاؤون! وهل يوجد ميكروجيب في العالم أصلا؟! ألم ينتهي؟! لكنه تساءل إذا وصل السفه والتدني إلى هذا المستوى؛ فبماذا يمكن أن يرد ويقول؟!
يعرف "المعلم" مقدمًا أن مسألة الإشاعات الكاذبة، والروايات المضللة بشأن الشخصيا العامة والمؤثرة، ضريبة لا بد من دفعها، ببساطة لأنه ليس هناك أحد يتفق عليه الجميع، وليس كل المحيطين أحباء، بل على العكس هناك وسط البشر من كل صنف ولون، من يتقرب لمصلحة ما، ومن يحاول أن ينال حظوة لعمل أو شهرة أو مال، ومن يتفاقم حقده فيبدو ظاهرًا للعيان، ولا يتحرج ساعتها أن يروي حكاياته الكاذبة، فيظن أنه بذلك نال من شخص هذا أو ذاك، من دون أن يدرك أن الذي يحدث الآخرين بكذب ما يهين ذاته أولًا وقبل كل شيء. لكنه عوضًا عن ذلك ينشغل بما يعنيه، بما يعد مهمًا بالفعل، ومن هنا يحدثنا عن الرياضة وكيف لا تتجزأ عن الثقافة في معاناها العام والشامل.
يحكي أن الرياضة في رأيه جزء مهم من الثقافة بمعناها الكبير، كونها تتحدى السلبية واللامبالاة، وتدعم الإيجابية والوعي بأهمية القراءة والتثقيف الذاتي بطبيعة الحال. ولعل علاقته بالرياضة والسباحة والبطولات شكلت بعض ملامح علاقته بالثقافة والنشر نوعًا ما.
وقد كان الوصول إلى المركز السادس عالميًا في مائة متر فراشة أمرًا مهمًا بالنسبة "للمعلم" طفلًا، فقد تمكن بدلًا من ذلك أن يصبح بطلًا لمصر والعرب وإفريقيا وسجل أكثر من رقم قياسي وكان من السباحين الذين حققوا طفرات وقتها. أما في الحياة السياسية والثقافية فلم يتحقق الكثير مما حلم به، لكنه حقق في المقابل العديد من الأمنيات في مجال الثقافة حيث ترأس اتحاد الناشرين المصريين والعرب وعمل مع زملاء كثيرين على النهوض بمهنة النشر وإزالة العوائق من أمامها. أيضًا كان يعتز جدًا بفوزه عدة مرات بجائزة أفضل ناشر في مصر، وجائزة أفضل ناشر أطفال، وأخيرًا فوزه بجائزة الآفاق الجديدة العالمية من معرض بولونيا لكتب الأطفال وذلك لم يتحقق لأي دار نشر مصرية أو عربية أو إفريقية من قبلُ.
كما يحكي أنه تأثر بالمرحوم والده محمد المعلم وعباس العقاد والشيخ محمد الغزالي وزكي نجيب محمود وثروت عكاشة وصالح سليم. كانت لحظات حياته السعيدة كثيرة، خاصة تلك اللحظات العائلية الحميمة ثم الأحداث الأولى التي مر بها خاصة في الطفولة والشباب المبكر حين تفوق دراسيًا وعندما حصل على أول بطولة سباحة للناشئين تحت 10 سنوات، وأول رقم قياسي وأول مرة يتم اختیاره ضمن منتخب مصر للسباحة وأول كتاب ينشره وأول جائزة لأفضل ناشر مصري. ولعل هذا التأثر والاقتداء بالوالد، قد ترك حلمًا كبيرًا كي تبعه، كلمًا بمقدار مؤسسة الشروق.
هذا الإنسان الاجتماعي لا يمكنه عزل نفسه عن العالم في الخارج. لدرجة أنه ولو كان سيسافر إلى الولايات المتحدة في اليوم التالي؛ لسأل شخصًا اتصل به "مش عايز حاجة من الإف بي آي؟" ثم يضحكا معًا. فمن الممكن كذلك أن يكون الناشر الأشهر في العالم العربي شخصًا على قدر كبير جدًا من الشعبية لديه روح دعابة بحيث لا يمكن للمرء أن يمنع نفسه من الضحك معه من كل قلبه. وبينما يعبر عن آرائه وخططه المستقبلية بالنسبة لإمبراطورية نشره، أدرك أنه يتحدث بالمليارات (ومن المحتم القوة التي تأتي معها)، فإننا، من نستمع، لم نشعر قط بأي حرج.
يهيمن إبراهيم المعلم على المشهد الثقافي، وغالبًا على عناوين الصحف. الضجة ـ التي يرى أنها غير مبررة بالمرة ـ التي تحيط بالإتفاقيات عادة. ومع أن المعلم، وهو رئيس مجلس إدارة دار الشروق، يتخذ خطوات جادة نحو تنفيذ مشروعات النشر الإلكتروني، فإن ارتباطه بالشركة العملاقة هيرمس للاستثمارات هو ما يهم الصحافة. وهيرمس التي ظهرت باعتبارها المجموعة المالية المصرية الأكبر والأكثر تأثيرًا في سبيلها لشراء حقوق الملكية الفكرية لأعمال من تأليف أعمدة البلاد الثقافية. كما أنها تستثمر مبالغ ضخمة من المال في مشروعات تكنولوجيا المعلومات. ولذلك فهي تخيف مفكرين كثيرين يعتقدون أن هذا "الوحش" سوف يحتكر ميراثنا الثقافي. ولذلك عندما أعلن إبراهيم المعلم عن صفقة حصرية أخرى مع شركة صوت الفن للتسجيلات، التي باعت للمعلم حق جعل أغاني أم كلثوم الأسطورية متاحة على الـ MP3، أثار على الفور تكهنات بأنها هيرمس وليس دار الشروق التي عقدت الصفقة.
يقول المعلم: "المسألة هي أننا يجب أن نتقدم ونتحسن، وإذا أردنا تحقيق أهدافنا، لابد ألا نعزل أنفسنا عن أدوات العصر الحديث، وأن نستخدم كل شيء في مصلحة رسالتنا الثقافية". وتساءل: "صح ولا لأ؟" صح" لذلك فإنه لكي نحقق أحلامنا لا بد أن نحقق نمونا المالي والإداري ومراكمة مواردنا وكذلك خبرتنا. صح؟" استمرت المجادلة الفردية بينما مضى في شرح كيف أن العرب اكتشفوا المطبعة بعد 300 سنة من اختراعها، وكيف أننا نضيع الوقت في مناقشة قضايا لا طائل من وراءها مثل "الأصالة والمعاصرة" أو الكتب الورقية مقال الكتب الإلكترونية، وكيف أنه لا يتحقق شيء في نهاية الأمر.
"لماذا نحن مضطرون للانتظار طويلًا بينما كل شيء حولنا يتحرك للأمام؟ لماذا لا نأخذ بزمام المبادرة؟" وبدا من الواضح أنه لا ينتظر إجابات أو إضاعة للوقت. بل يأخذ بزمام المبادرة. فبالإضافة إلى محفوظ وأم كلثوم سابقًا، فإن المعلم مشغول بالحصول على حقوق الملكية الفكرية لأعمال بعض أشهر الكُتَّاب والمفكرين في هذا البلد. وقد أتى على رأس القائمة محمد حسنين هيكل، المعلق والكاتب السياسي الأشهر في التاريخ المصر الحديث. يقول المعلم: " لم يكن هناك مال في صفة هيكل. فقد أعطاني حق نشر كل أعماله إلكترونيًا، وعندما كانت هناك عائدات، فقد كان له حصة منها".
تشمل الاتفاقيات الإلكترونية كذلك العلماء المسلمين مثل المرحوم الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي. وأضاف: " وسيكون هناك المزيد" تجري مفاوضات مع النهار، مؤسسة النشر والصحافة اللبنانية بشأن مشروع تتعلق بالشبكة العنكبوتية. فما الذي يفعله على وجه الدقة؟ هل هو موقع إلكتروني؟ أم بوابة؟ كان رده هو: "أقوى بوابة في العالم العربي" لكن كيف؟ أضاف: "مازلنا نجهز. لا نعرف إن كانت ستصبح مجانًا بالكامل أم لا. لا بد لنا من ضمان أن بعض الدخل كي نستمر. صح؟"
أخيرًا يوضح المعلم وضع الشروق/هيرمس. أولا وقبل كل شيء يؤكد أن هيرمس لم تشترِ الشروق "كما افترض أشخاص كثيرون، لم يكلفوا أنفسهم مجرد السؤال". بالإضافة إلى ذلك، "هل سأل أحد بالفعل ما هي هيرمس على وجه الدقة؟ أليست شركة مصرية في البورصة؟ أليس من المفترض تشجيع الاستثمار؟"
حتى عام 1996 كانت الشروق، التي تشمل شركتين "مستقلتين" (دار الشروق للنشر وشركة الشروق للطباعة) "عملًا عائليًا". لكن الخطط الطموحة للنمو جعل من الضروري دعوة هيرمس التي قامت بعمل بعض أبحاث السوق واقترحت "أن تصبح شركة النشر شركة مساهمة. وفعلنا ذلك ووضعنا 16 بالمائة من أسهمنا في البورصة". ويبدو أن هذه الخطوة كانت ناجحة. والواقع أن شركة الشروق للطباعة الآن هي الأكبر في البلاد. "لكن هذا لا يكفي. سوف تأتي المنافسة من الخارج ولا بد أن نكون قادرين على المنافسة مع شركات الطباعة الدولية".
فتحت التجربة مع هيرمس شهية المعلم لخطط مشابهة تشمل دار النشر. "لدينا طموحات كبيرة. نريد أن ننشر الموسوعات وكتب الأطفال. نريد أن ندخل النشر الإلكتروني مكتبات حديثة في أنحاء البلاد. فمن حقنا أن نفعل هذا كله. صح؟" لقد ذهب المعلم إلى هيرمس بفكرة إنشاء شركة خاصة عملاقة "تستثمر في كل جوانب الثقافة". حتى إذا وضعنا أحلامه الخاصة بمستقبل الثقافة القومية جانبًا، يريد المعلم كذلك أن تكون دار الشروق "دار نشر عالمية مميزة يمكنها الاستمرار من بعده ومن بعد أبنائه لأجيال قادمة. لا أريد للشروق أن تختفي باختفائنا. وهذه هي طريقة التفكير في كل أنحاء العالم التي سمحت بتحقيق مشروعات النشر الضخمة." على وجه التحديد، هو يريد أن تصبح دار الشروق شركة مساهمة، لكنه سيحتفظ بالجزء الأكبر من الأسهم وحق إدارتها.
لدى المعلم كذلك مشروعات أخرى مفضلة لديه ذات طابع أدبي أكبر. "أريد. لو كان ذلك حلم المرحوم والدي ـ نشر أول موسوعة عربية إسلامية. وأريد كذلك إنشاء سلسلة من المكتبات الضخمة، وسنبدأ بواحدة كبيرة في القاهرة. وستكون مبنى من أربعة طوابق مساحتها 1000 متر مربع ستعرض وتبيع كل العناوين المصرية والعربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية. وسيكون بها كوفي شوب ومقاعد مريحة ووصلات إنترنت، وأقراض مدمجة وقاعة للمؤتمرات. "مثل بارنز أند نوبل؟ " نعم. هل لدي الحق في أن أحلم بتحقيق ذلك أم لا؟"
أنشأ المعلم الأب دار الشروق عام 1942، لكن نشاطها توقف بسب نقص الورق نتيجة للحرب العالمية الثانية. وقد أعيدت ولادتها عام 1958 باسم دار القلم لكنها أُممت عام 1966 واعتُقل صاحبها لفترة وجيزة (ليس لسبب محدد إلا أنه ربما يكون -لأن هذا هو الحال باستمرار مع الشرفاء- يضحك) في عام 1968 عادت الدار باسم دار الشروق وبعد عام فُتح فرع بيروت. وفي عام 1972 تأسست شركة شروق بيروت للطباعة، أعقبها بعد أربعة أعوام فرع القاهرة. ساعد نجاح الفرعين ترسيخ سمعة الشروق باعتبارها دار نشر احترافية جادة تخدم كل قطاعات المجتمع وكل مستويات الثقافة. وكانت مشغولة كذلك بتقديم أساليب النشر الحديثة، مثل طباعة الأوفست التي كانت فكرة إبراهيم. "أصدقاء والدي حذروه قائلين "ابنك ها يدمر كل حاجة، إيه اللي هو يعرفه؟" لكني كنت أعرف ما أفعله على النحو الصحيح. وبعد ذلك أصبحت طباعة الأوفست هي القاعدة في كل مكان". كانت الشروق كذلك أول من أدخل الأغلفة المصقولة في وقت كانت فيه الأغلفة الورقية الكالحة هي السائدة. لكن علامة تميزها الأعظم كانت تلك الأغلفة الإبداعية التي صممها فنانون محترفون. لقد كان كتاب دار الشروق معروفًا بغلافه. ولم يكن هناك نزاع على محتواه.
إلا أن وفاة محمد المعلم عام 1995 أحدثت صدمة في دوائر النشر، وكانت ضربة قاسية لكثير من الكُتاَّب والمفكرين. فقد أكسبته سمعته الطيبة وتقدمه مجموعة كبيرة من المعارف في مصر وفي أنحاء العالم العربي. ويتذكر ابنه أنه أتى وهو على فراش الموت "كنا نعد خططا طموحة" وهنا يقرر إبراهيم المعلم أن يقول: "كنا في الولايات المتحدة، حيث كان يرقد في المستشفى. وفي يوم من الأيام، وقد قررنا أن نحدث ثورة في دار الشروق".
ووقعت الثورة، وأصبح إبراهيم رئيس مجلس الإدارة في أعقاب وفاة والده. وخلال خمس سنوات قصيرة نجح في وضعها في مقدمة أنشطة النشر في المنطقة. وكان المال يتدفق منذ أن أصبحت شركة الطباعة شركة مساهمة، وتظهر كتب رائعة بشكل أكبر على نحو أكثر في السوق. ويبرز مثالان واضحان: سلسلة هيكل ذات الأجزاء الثلاثة المثيرة للجدل، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، وفن الواسطي لثروت عكاشة الذي فاز في معرض فرانكفورت من بين الكتب العشرة الأكثر جمالًا في العالم. وأعقب ذلك جوائز دولية أخرى، أقربها جائزة آفاق جديدة من معرض بولونيا لكتب الأطفال لكتاب "حياة محمد".
لكن "وجهات نظر"، المجلة الثقافية الشهرية، هي التي رسخت شهرة المعلم في أنحاء العالم العربي. فقد أحدثت المطبوعة التي تضم 82 صفحة موجات بدأت مع عددها الأول في فبراير 1999. وكان المقال الافتتاحي بقلم هيكل الذي كان له منبر منتظم لمقالاته منذ خصامه مع الرئيس الراحل أنور السادات. في البداية اشترى الناس المجلة غالية الثمن نسبيا (10 جنيهات) لقراءة مقالات هيكل بعد وفاة الملك حسين عاهل الأردن والملك الحسن عاهل المغرب. وكانت تصريحات هيكل عن دوري العاهلين يعني أن تباع وجهات نظر بسرعة وبأعداد كبيرة. فقد سدت المجلة فجوة بمحتواها الثري، وحظيت على الفور باحترام القراء المصريين والعرب بإعطائهم الفرصة لقراءة آراء مستقلة وجريئة. وفي مجتمع يجب أن يهضم تلك الكميات كبيرة من الدعاية، وجد المتعطشون إلى "الكلمة المحترمة" ضالتهم في وجهات نظر. ويرى كثيرون أن هذا هو السبب أثناء اقترابها من عامها الثاني مازالت المجلة على قدر كبير من الشعبية على الرغم من أن هيكل لا يكتب في كل عدد.
"لاحظنا أن العالم العربي يفتقر إلى المجلات الثقافية التي تعالج أفكار عصرنا الحديث وأحداثه. وعلاوة على ذلك، كان هناك نقاش حول الكتب والنظريات في أنحاء العالم بينما كنا معزولين تمامًا عن ذلك. كانت تلك المناقشات ستدهشنا باستمرار، ولذلك أردنا مجلة تجعل تلك النقاشات والآراء متاحة لقرائنا." وُلدت الفكرة عندما كان إبراهيم المعلم وصديقة الرسام حلمي التوني يتحدثان. وذهبا إلى هيكل الذي "وضع لنا مفاهيمها. وخرجت المجلة على الرغم التحذيرات الصادرة من أشخاص كثيرين من أنها ستفشل وتتسبب في خسارة مالية. لكنها لم تنجح فحسب، بل غطت تكاليفها خلال ثلاثة شهور فحسب."
في المقال الافتتاحي الوحيد المنشور في وجهات نظر بذكرى تأسيسها الأولى، أشار المعلم إلى أن "الناشرين فرضوا أنفسهم على مطبوعاتهم"، موضحًا أنه لن يفعل الشيء نفسه، وسوف يحاول وضع معايير مهنية في عمل النشر. وذكر كذلك بعض خطط الشركة المستقبلية في إخراج المزيد من المطبوعات، خاصة تلك التي تستهدف الشباب. "نعتقد أن هناك الكثير والكثير من الشباب الموهوب الذين لا بد من التعبير عن تجربتهم وآرائهم".
لم يكن الانتهاء من الحديث عن سيرة ذاتية ملهمة للمهندس إبراهيم المعلم سوى بوابة يتسع معها الحديث ويتشعب كثيرًا، وربما يلتقي في نقطة واحدة مضيئة، ليس عند الحيث في فصل قادم عن الرياضة والنادي الأهلي في حياة المعلم، بل باعتبار أن تلك الأمور لا تزال ترتبط جذريًا بالثقافة بما هي كذلك، وإنما من جانب آخر، فإنها ترتبط بالباب القادم والحديث عن مؤسسة الشروق بكل ما تملك من أدوات وتشكلات نهضوية، تعي جيدًا طريقها، وتعي جيدًا الأحلام!
الإنجازات في مجال النشر
- رئيس "دار الشروق" والحائز على جائزة أفضل ناشر والعديد من الجوائز المحلية والدولية.
- 1996-2008: شارك في تأسيس "اتحاد الناشرين المصريين" وترأسه.
- 1996-2006: أسس "اتحاد الناشرين العرب" وانتخب رئيسًا له.
- 1998 نجح في ضم مصر ثم اتحاد الناشرين العرب إلى "اتحاد الناشرين الدولي" لأول مرة.
- 2008-2014: انتخب نائبًا لرئيس "اتحاد الناشرين الدولي" ثلاث مرات.
- 2002 ساهم في اختيار الإسكندرية كعاصمة للكتاب في العالم بالتوازي مع افتتاح مكتبة الإسكندرية.
الإنجازات الرياضية
- 2007: رئيس اللجنة العليا لمئوية النادي الأهلي، حيث نظمت مباريات مع فرق عالمية مثل برشلونة وبنفيكا.
- 2002-2004: شغل منصب نائب رئيس النادي الأهلي، وأمين صندوق النادي سابقًا.
- 2001 رئيس اللجنة المنظمة لاحتفالية نادي القرن، التي شهدت مباراة بين الأهلي وريال مدريد.
- 1990 عضو اللجنة المنظمة العليا للدورة الأفريقية الخامسة.
- سباح ولاعب كرة ماء دولي، حقق أرقامًا قياسية مصرية وعربية في سباحة الفراشة، وكان أول رياضي يمثل مصر في دورات إقليمية في سن الرابعة عشرة.