صحيح أن المعلن على الدوام هو العمل على تطوير الكتاب المدرسي والنهوض بمستوى التعليم
بعامة، المدرسي والجامعي؛ وهو ما يعني الارتقاء بمستوى الثقافة كلها في الوقت نفسه، وهو
ما ينعكس بدوره على كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية بالأخص. إلا أن
الأمور لا تسير وفقًا لهذا المعلن على الدوام، بالأخص في بلداننا العربية ومصر منها
بطبيعة الحال.
وهو ما بدا جليًا ولافتًا حين نعرف أن النظام السابق قال: قمنا بعمل خمسين ألف مكتبة في
مصر، هذا جيد جدًا؛ لكن الخمسين ألف مكتبة هذه؛ أين توجد؟! عندما قالوا ذلك؛ أنا طلبت،
وكان صفوت الشريف يجلس في الإجتماع، قلت والله نحن نريد ومستعدين أن نذهب إليهم؛
فأحضروا لنا قائمة بهذه المكتبات؛ فضحكوا وصمتوا. فلو أن كل مكتبة أخذت نسخة؛ لأخذوا
خمسين ألف نسخة.
هذا وقد تم عمل مشروع جيد جدًا منذ عشر سنوات؛ اسمه البرنامج القومي للكتاب؛ فقاموا بعمل
كتب لأطفال المدارس الإبتدائية، والإعدادية، والثانوية؛ بحيث ذهبت لاثنين وأربعين ألف
مدرسة، مكتبة بالكتب. لكن بالطبع كانت هناك مشاكل، لأنها تحدث لأول مرة، وتم التوقف؛
بينما كان هذا المشروع مهمًا جدًا، لأنه ليس فقط الطلبة هم الذين يرون لأول مرة كتبًا
جميلة، وكتبًا بالمقاييس العالمية؛ بل المدرسين أيضًا لم يروا كتبًا جميلة من قبل، ولم
يروا إلا الكتب المدرسية؛ التي أصبحنا متأخرين عن العالم العربي فيها، الكتاب المدرسي
في مصر منفر، متخلف، شكلًا وموضوعًا.
لقد قمنا مرة عندنا بعمل لجنة تاريخية برئاسة الدكتور يونان لبيب، والدكتورة لطيفة سالم،
ومجموعة كبيرة، وطلبت منهم أن يدرسوا كتب الدراسات الإجتماعية؛ فكان رأيهم؛ والذي قاله
الدكتور يونان لبيب؛ إذا كنت تريد إخراج جيل جاهل بتاريخ بلده، وفاقد للإنتماء؛ فهذه هي
أفضل الكتب لذلك! ما رأي سيادتك في ذلك؟!
وقاموا بعمل دراسة تفصيلية بذلك، يعني من المضحكات أن يقولوا لك مثلًا؛ الناصر صلاح
الدين الأيوبي، وقد وضعوا صورة أحمد مظهر مرتين، وأنت حتى لا تقول أن هذا هو الفنان
أحمد مظهر، وهو يمثل دور الناصر صلاح الدين، فيخرج هؤلاء، وقد اعتقدوا أن الفنان أحمد
مظهر هو صلاح الدين الأيوبي!
هذا في الكتاب المدرسي، ليس ذلك وحسب؛ فقد قال لي الدكتور محمد قنديل؛ أنهم قاموا بوضع
بعض الأحداث التي حدثت في التاريخ، وهي قد حدثت في فيلم وا إسلاماه؛ فبدلًا من أن يعتمد
الفيلم على التاريخ؛ فإن كتاب التاريخ يعتمد على ما حدث في الفيلم! التي هي شئ درامي
للغاية.
وماذا عن كتاب اللغة العربية، فنحن لدينا مصيبة تعم العالم العربي كله في تدريس اللغة
العربية. يقول المعلم: حتى جامعة الدول العربية، وقد كنت أتكلم منذ وقت قريب، أيها
الناس؛ تدريس اللغة العربية في العالم العربي كله؛ يزداد تخلفًا، والعالم كله يقفز في
التدريس، هناك طرق حديثة في التدريس، وفي استخدام التكنولوجيا، والتفاعل بين الطالب،
والتي هي في التعليم بصفة عامة، ونحن لا نأخذها، ونحن أصبحت عندنا الكتب المدرسية
الخاصة باللغة العربية؛ أسوأ من كتبنا في النصف الأول من القرن العشرين.
إذا سيخرج لنا أناس لا يستطيعون التحدث بلغة عربية سليمة، فأنت تتحدث بالعربية، وتفكر
بالعربية، وتقرأ بالعربية؛ فإذا كنت ضعيفًا في اللغة العربية؛ فلن تستطيع التفكير
جيدًا، ولن تستطيع التعبير عن نفسك بشكل جيد، ولن تستطيع القراءة، ولن تحبها، ولن تحب
الكتاب.
والورقة التي تم عملها، ولقد اطلعت عليها سريعًا، يمكن أن يكون بها أمورًا إيجابية؛ ولكن
بها بعض الأمور التي يجب أن تثار، من الكلام الذي قد قيل، وأظن أن من أهداف المرحلة؛
الإصلاح، والإصلاح الإقتصادي، والإصلاح الشامل، والإصلاح الديمقراطي، وأن كل فعاليات
المجتمع تشترك.
صحيح أن الكتاب المصري والعربي عمومًا، ليس بحالة جيدة جدًا، لكن الدال على مستوى
الاهتمام يكون دائمًا منطلقًا من كتاب الطفل والكتاب المدرسي، لأنهما بوابة القارىء إلى
القراءة وحب المعرفة بدايةً، أي قبل أن يصبح قارئًا أصلا. لكن العجيب أن هناك من يرى أن
هذا التفكير في مجتمع مثل مصر ترفًا لا نقدر عليه!
والحق، أننا لسنا في حاجة إلى سبعمائة وأربعين مليونًا كي نبدأ بتطوير كتب الأطفال
والكتب المدرسية. لعل مصر تكاد تكون ظاهرة ثقافية بنفسها، وأن القوة الناعمة بها؛ هي
أكبر قوة لديها، وتأتي القوة الثقافية في الفكر وفي التدريس وفي الطب وفي الكتب وفي
الشعر وفي الرواية وفي السينما وغيرها، هذه قوى كبرى؛ لا بد أن ندعمها، ولا بد أن
تزدهر، وتصدير الثقافة يشجع باقي الصادرات، ويمهد لها الطريق، وهو أحسن دعاية للفكر،
وللمكانة، وللسياسة، وأكثر أمانًا لإستراتيجيتك.
الأمر الذي يدعونا إلى التوقف قليلًا وتأمل المشهد، فكيف كنا نقوم بتصدير كتبنا المدرسية
للدول العربية، وإلام انتهى المشهد الآن؟! ويجيب "المعلم" أن أقدم صادرات مصر في العصر
الحديث هي الكتاب، فمنذ القرن التاسع عشر؛ الكتاب المصري يصل إلى إندونيسيا شرقًا،
والمغرب، وموريتانيا غربًا، والكتب المدرسية كذلك؛ كانت في وقت من الأوقات، تصدر في مصر
بمؤلفين مصريين وتدرس لـ 60 % من العالم العربي.
وهذه ميزة ثقافية، وفكرية، وسياسية، واستراتيجية، واقتصادية هائلة، لم تعد موجودة الآن،
فنصف الكتب المدرسية الموجودة في العالم العربي الآن أفضل من الكتاب المصري بمراحل
بالغة الدلالة.
بالطبع هذا حديث مثير للشجن، فالأطفال الصغار، والشعوب البدائية، لا تعرف القيم المجردة،
فعندما نحضر طفلًا صغيرًا، ونحدثه عن الشجاعة، أو عن الإبداع، فلن يكون على درجة كبيرة
من فهم ذلك، لكن حينما تحدثه عن الكوب، والطبق، والفنجان؛ فسيفهم، فلا يجوز لمجتمع كمصر
بعراقته، بمكانته، وتاريخه، وثقافته؛ ألا يعرف معنى قيمة الملكية الفكرية، وقيمة
المحتوى.
فالكتاب المدرسي يتطور بما فيه، لكن ليس بالورق، ولو كنت بالطبع تحتاج لورق جيد، وطباعة
جيدة بكل تأكيد، لكن أهم شيء المنهج، المقرر، طريقة الكتابة، وأن يحشد الناشر ما في هذه
البلد من طاقات، وقدرة على التأليف، من أخصائيين في التربية، من فنانين في رسم كتب
الأطفال على مستوى عالمي، ويحصلوا على أفضل جوائز، ومن متخصصين في الإخراج، وأن يكون
هناك –كما في العالم كله– منافسة.
وعندما تأتي إلى المواد مثل الرياضيات، ومثل الكيمياء، مثل الطبيعة، ببساطة، لقد اعتدنا
على الكتب المدرسية، وكأنها –ولو أنها كلمة مؤلمة جدًا– نشعر أنها (بواقي)، وأن الكتاب
المدرسي هذا هو أرخص كتاب. وانظر مثلًا، ولتحكم بنفسك، اكتشفت أمريكا أن كتب سنغافورة؛
هي أحسن كتب، وأحسن مناهج لتدريس الرياضيات؛ فبدأت تجربة في ثلاث ولايات لتدريس الكتب،
والمناهج السنغافورية بعد أن ترجموها بالإنجليزية.
أما هنا فحتمًا سنجد من يقول لا يصح، ولا ينفع. فكيف لا ينفع؟! وها نحن نقول: كوريا
متقدمة، واليابان متقدمة، وعندما آتي إلى الرياضيات، والعلوم، عندما تقول أيها الناشرون
المصريون؛ سأقوم بعمل منافسة، إيتوني بأفضل مناهج في العالم، وأحدث مناهج في العالم،
ولا تأتوني بها كما هي؛ اجعلوها باللغة العربية، ثم اجعلوها مصرية، واجعلوا المؤلفين
المصريين المتخصصين؛ يشتركوا بأن يأخذوا من أفكار منها، ثم ينتجوا كتابًا مصريًا أفضل،
وعلى هذا المستوى.
وسأقوم بعمل مسابقة، وأنت سوف تتكلم، وفي النهاية سأختار الكتاب، أو الكتب الأفضل،
والأنجح، المشوقة، الجذابة، الناجحة، والتي تصل إلى المستوى العالمي، وأجعلها مقررة على
مدارسنا.
هذا ما نجده جليًا عندما نقوم بعمل مثل هذه المسابقات، كما يفعل العالم كله، وتأتي وزارة
الري لتحكم هي، وإذا كانت هذه الكتب تستغرق سنة، كما يحدث في العرف العالمي، فتقوم أنت
بعمل مسابقة، وتحدد المدة بأربعة شهور! معنى ذلك أنك إما تريد أن تخرجها بلا جودة
(تكلفتها)، أو أنك غير مدرك للمعايير العالمية، أو أنك لا تأخذ الأمر على محمل الجدية.
والحقيقة أن الثلاثة احتمالات قائمة وبصورة فجة للغاية! فلا نحن مهتمون؛ ولا نحن واعون،
ولا نقوم بعمل ذي جودة تحترم مع الأسف.
أما الشيء المضحك، أنه عندما نقيم هذه المسابقة، وتستدعي الناشرين، وتقول لهم، أيها
الناشرون فلتأتوا بأفضل، وأحسن من في البلد، وأحسن ما في العالم، وأنتجوا لي أفضل
الكتب، وتقول إنني سأقوم بعمل مسابقة بينكم، والذي يحصل على من 90 % إلى 99 %. ومن الذي
يقوم بالتقييم؟! أنت! لجان في الوزارة.
وهذا يحكيه "المعلم" بوصفه قارئًا أولًا ومهمومًا بالثقافة العربية بشكل عام، وبوصفه
رئيس اتحاد الناشرين المصريين واتحاد الناشرين العرب ونائب رئيس اتحاد الناشرين الدولي،
يعني أن الأمر يخرج من كونه مسألة ياتي الاهتمام بها ذو طابع عفوي مثلًا، وإنما من واقع
المسئولية والوعي بهذه الأمور بالغة الأهمية والدلالة على تقدم بلد ما وتأخر غيره.