النشر في مصر

في هذا الفصل، وكنا قد انتهينا سابقًا عند سؤال ليس عن المعارض العربية فقط، ولكن عن مخرج معقول للحد من غياب الكتاب وارتفاع ثمنه بالنظر للأحوال الاقتصادية الصعبة في معظم البلدان العربية، ومنه كانت مبادرات هامة ولو شابتها بعض الأخطاء إلا أنها كانت بوابة لحلم جميل لو يتحقق فعلًا أو يعاد طرحه ثانيةً. نقصد الحديث عن تجربة مكتبة الأسرة في مصر، ومنها إلى الحديث في هذا الفصل عن النشر عمومًا في مصر وما يطرحه من إشكالات ضرورية وعاجلة تقدم نفسها كأزمة يومية وكواقع يسعى إلى التهدور فضلًا عن البناء الحقيقي والفاعل.

يحاول "المعلم" في هذا الفصل وكما أشرنا سابقًا؛ أي بوصفه ناشرًا ومثقفًا مصريًا، أن يقدم رؤيته للواقع الثقافي المصري في ظل كل هذه المتغيرات العربية والعالمية. ويبدأ بطرح وصفي للحالة هنا في مصر، نقصد سؤال النشر ومنه إلى سؤال الثقافة والمثقفين وربما معاركهم الجانبية والتي تفيد في تهميش القضايا الحقيقية فضلًا عن اكتشاف حلول جذرية لها أو العمل بمقتضى ذلك على الدوام، وهو ما لم يحدث بأي حال.

ثم يطرح قضايا وزير الثقافة المصري السابق (فاروق حسني) ليس بوصفه خصمًا وإنما شاهدًا على مرحلة هامة من تاريخ الثقافة المصري، وبوصفه علامة دالة على الوضع الراهن، من أين أتى وإلام يؤول؟ أي معاركه في مسابقة اليونسكو، رأيه في المثقفين ورأي هؤلاء في وضعه كوزير للثقافة، بل ومطالبتهم إياه بالإستقالة من الوزراة ونعته إياهم بأنهم ليسوا مثقفين بدايةً، ما أشعل فتيل الحرب بضراوة!

وفي ظل كل هذا الزخم، يكون التفكير في اتحاد الناشرين المصريين كأحد الحلول الممكنة، والتي تسهم بنصيب كبير لو تم تفعيلها لحل الأزمة وتوضيح القانون وسلطته على رقاب الجميع، وهو ما لم يحدث طيلة ثلاثون عامًا حسب ما أفاد "المعلم" أي عمر الاتحاد السابق على رئاسته، وهو أيضًا ما أشعل الحرب بينه وبين الرئيس السابق الأديب محمود عبد المنعم مراد، ما استدعى ليس سؤال المعلم وحده، بل رواية التفاصيل من كل الأطراف، بما فيهم الخصوم الصريحين ومن يقفون موقف الحياد؛ أي الوزارة وفاروق حسني ورئيس هيئة الكتاب!

وهو الوضع الذي يفجر أسئلة بعينها عن كتاب الطفل والكتاب المدرسي وأيضًا الخطط البديهية لتشجيع حركة الترجمة التي تركن إلى جدار حضاري مهدم، فلا تسهم في تغيير الواقع للأفضل بنصيب قليل أو كثير، حديثُ شجن صحيح، لكنه مهم لتعرية الوضع إجمالًا.

وأما عن معرض القاهرة الدولي للكتاب، فكان التفكير في التطوير والمقارنة مع معارض دولية –بالفعل- وليس هزلًا أو كلام مجازي حسب ما يروي "المعلم"، وهو ما نراه على لسانه في معارض فرانكفورت وبولونيا ونيويورك وغيرها. وسؤال عن عدد الناشرين المصريين، وعن دور الاتحاد في تطوير المعرض، ودور الحكومة بكل تأكيد وبكل أجهزتها السيادية. هذا في ضوء وجود ضيف شرف عربي في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب والحديث عن وجود مشرف وعظيم للكتاب العربي هناك، ما يعني أننا نستطيع أن نكون أفضل بكل بساطة!

ثم كل هذا في الميزان مرة أخرى، ولكن من واقع ما يجب على الحكومات المتعاقبة الإيمان به وتفعيله والتأصيل له على الدوام، كاستراتيجية مستمرة في الزمن وليس حزمة قرارات فردية، ما تلبث أن تتبدل إلى الأسوأ بتغير الأشخاص أو الأولويات والمصالح. يعني الحديث عن الأسعار والجمارك والضرائب التي تفرض على الناشرين وأسعار الورق وما يتسبب في ارتفاع أثمان الكتب وبالتالي عدم توفر القدرة على شراؤها، وهو ما يتسبب في هروب الكثير من الناشرين المصريين إلى الخارج والطباعة في بلاد أخرى؛ وهو الوضع الذي يتطلب تغييرًا جذريًا وفوريًا. ببساطة لأن تسهيل النشر وتوفير الكتاب والتثقيف الحقيقي كلها مرادفات لمعاني هامة للغاية للقوى الناعمة الإبداعية، والتي تسهم بحظ كبير في نمو الاقتصاد مباشرة؛ أي بتحقق عمليات البيع والشراء وعقود بيع الملكية الفكري وغيرها، بالإضافة وهو أول ما يحدث؛ أي إلى نمو الإنسان بما هو كذلك، ما يعود بمنافع متعددة مرات كثيرة على البلاد شرقًا وغربًا، الإنسان مثقفًا ومبدعًا ومتلقيًا في آن.

الحقيقة أن ما نشاهده على الساحة الثقافية المصرية مثير للتأمل والتساؤل على حد سواء، عن ماذا يمثل الكتاب، وماذا تمثل الثقافة فعلًا من اتجاهات الدولة أو المواطن، وبما يلزمه بعض السياسات الفعالة للانتقال إلى مصاف الدول الحديثة والمتقدمة. وهو ما يثيره المهندس إبراهيم المعلم بشكل عفوي تمامًا، لا يخلو من مرارة لاذعة.

حيث يتساءل البعض قائلين: وماذا عن الحالة هنا في مصر؟ فوضى، أم رقابة، أم حرية؟ إلا أنه وحسب "المعلم" فإن الوضع تحسن عن سنوات سابقة. لكنه مع هذا يظل متواضعًا قياسًا على دول أخرى أقل من حيث المكانة والإمكانات. قائلًا: لو أنك تضع يدك على فم شخص لمدة 10، أو عشرين سنة، ولا يستطيع التحدث، ولا يستطيع التنفس، فبمجرد أن ترفع يدك عنه، ويستطيع الكلام، فهل سيتحدث بكلام موضوعي، أم يأخذ في سبك؟ في البداية سيكون هناك مرحلة من ذلك، فحتى لو انطلقت قنوات لحرية الرأي، وحرية التعبير؛ سيكون منها لا شك ما نقبله، وما لم نتعود عليه، وما نعتبره أحيانًا تجاوزات، وخروج عن العرف، وعن التقاليد، ولكن رأيي أن هذا مفيد، ولكننا ما زلنا في البداية؛ إلى أن ينضبط، ويصبح المجتمع قادرًا على القبول، ويستطيع أن يزن، ويستطيع أن يحكم، والأهم من ذلك أن حرية الكلام، وحرية الرأي هي ناقصة؛ إذا لم يكن لها في النهاية؛ فاعل، يعني أنني عندما أنتقد وزيرًا معينًا؛ هيئة معينة، ناديًا معينًا، أي نقد أقوله، إذا كان مبنيًا على أساس من الرأي الصحيح؛ إذا لا بد أن يؤدي إلي شئ، أن يؤدي إلى محاسبة، وإلا كان محض هراء. إذ لا بد أن يؤدي إلى رد، فلا أنت، ولا أنا نظل نتحدث بآراء ونبذل جهدًا، وفي النهاية، وكأننا لم نقل شيئًا، فحرية التعبير، والحق في التعبير، وحرية الرأي ناقصة، لأنها لم تصل بعد حتى الآن إلى درجة الفعل.

وهو الأمر الذي يثير سؤالًا عن الرقابة. ليقطع "المعلم" كل شك قائلًا: لا أريد رقابة من أي نوع. حتى لو كانت رقابة دينية! فالأزهر على سبيل المثال المفروض أن عنده رقابة واحدة فقط، أنه يراقب أن كتابة القرآن والمصحف صحيحة، وغير مشوهة. إما أن يقول رأيه في قصة من تأليف شخص ما، فهذا أمر لا يمكن قبوله! ببساطة لأن عندها سيكون من حق الكنيسة أن يكون لها رأي. وهو ما نتذكره حين اعترض الأزهر على ثأر الله الحسين ثائرًا، والحسين شهيدًا للأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي، وهذه تعد من روائع الأدب المسرحي في تاريخ مصر.

صحيح أن هذه الأمثلة وكما يتحدث "المعلم" قد لا تعبر بالطلق عن الوضع الثقافي المصري، لكنها بكل تأكيد تضيف دلالات واعية ومتبصرة وحقيقية لما يحدث فعلًا، أي بالنسبة إلى المعايير التي تتحكم في عملية النشر برمتها، ومنها الكتب بمختلف توجهاتها والتي قد تثير حفيظة مؤسسات بعينها، لا ينبغي لها التدخل بأي حال من الأحوال في الأمر. وهو الإشكال الذي يطرحه الواقع بضراوة في ظل غياب شبه تام لحرية الرأي والتعبير، ولو ظهر على السطح أقاويل أو شعارات لا تمت للواقع بصلة، فهي محض كذب آخر يبنغي محاربته بكل فكرة وكلمة وإبداع حر وملهم.

وهو السؤال الذي بدا مفتاحيًا للحديث عن الكتاب في مصر بشكل عام، بما يعنيه وما يهمه من مشكلات أو أحلام وتطلعات. وبما فيه سؤال الترجمة، وضرورة التمثيل الخارجي في المعارض الدولية وأيضًا تمثيل المعارض الأخرى هنا، في مصر وفي معرضها بالقاهرة. وهو ما يعني أسئلة أيضًا عن حالة الكتاب، تكلفته ومحتواه وسبل طبعه وتوزيعه وإحصاءات بيعه. كل هذا يندرج بشكل حتمي تحت عنوان النشر عمومًا.

وحيث يرى "المعلم" أن النشر في مصر لا يشكل سوى نسبة 40% من النشر في العالم العربي أجمع. ووفقًا لإحصائيات دار الكتب فقد تم نشر من 12000 إلى 14000 كتابًا خلال العام الواحد. تشمل تلك الكتب الثقافية والمدرسية والجامعية. ولا يمكن أن نغفل أن جزء كبير من هذه الأرقام هو إعادة نشر لبعض الكتب ولكن لا توجد أرقامًا دقيقة في الواقع. أما أكثر الكتب التي شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأربع الماضية في النوعية والشكل والمحتوى فهي كتب الأطفال. وقد نال كتاب الأطفال في مصر ستة جوائز دولية مما يعكس انفتاح الناشرين المصريين على تطور الكتب في العالم، ومنها الكتب المدرسية وكتب الأطفال؛ حتى أننا نستطيع القول أن أجمل الكتب والأكثر نشرًا في العالم موجودة في مصر.

الأمر الذي يفتح الباب على متسعه للحديث أكثر عن أهم مشكلات الكتاب في مصر، وربما في العالم العربي بالكامل؛ أي مشكلة التوزيع. إذ يمكن أن يطبع الكتاب بآلاف النسخ ولا يدري عنه أحد أي شيء، ببساطة لأن مهمة توزيعه أحيانًا كثيرة تقع على عاتق المؤلف ذاته. فلا وجود لعمليات تسويق جيدة ولا حركة نقدية تُعّرِف بالأعمال الجديدة، ولا بالضرورة يحاول الناشر في أحيان كثيرة تعريف القراء بهذا الكتاب أو ذاك، هذا يحدث بالأخص في دور النشر الحكومية، إذ يوكل الأمر لمجموعة من الموظفون لا يهمهم –غالبًا- ثقافة أو توزيع أو كتاب.

وبالنظر لضرورة بحث مسألة التوزيع لأنها الفجوة التي تبتلع كتابات كثيرة مهمة، لا يعرفها أحد بسبب أنها لم تخرج من المخازن أصلا. في ذلك يقول المعلم: لا بد من الاعتماد على المكتبات العامة التي تتولى مهمة شراء عدد معين من الكتب في العالم أجمع. أما دور الحكومات فيقتصر على ضمان حصول الأفراد على كتب جيدة وليس بالضرورة شرائها. كما أن مشروع "البرنامج القومي للكتاب" والذي استمر ثلاث سنوات وتولته جمعية الرعاية المتكاملة مع وزير التعليم وبمشاركة المعونة الأمريكية أمدنا لأول مرة بمجموعة متكاملة من كتب الأطفال تم توزيعها على أكثر من 39000 مدرسة مصرية وحتى في القرى. هذه الكتب مطابقة للمواصفات العالمية فيما يتعلق بمستوى النشر والرسوم ونوعية الورق والإخراج تم اختيارها من خلال لجان مصرية مائة بالمائة.

وهو بدوره يظهر مرة أخرى في مشكلات مثل القراءة، إذ الأجيال الجديدة لها اهتمامات مختلفة، فهم يقرأون بالعربية وبلغات أخرى. كما أن هناك اهتمام متزايد بالكتب الأدبية والكتاب السياسي والتاريخي وفي نفس الوقت نلاحظ ولادة جديدة في مجال الرواية وظهور مواهب ستكون رائدة لا شك. كما تم نشر عدة كتب بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ النشر بمصر. فرواية مثل شيكاغو وتاكسي بيع منها أكثر من 100 ألف نسخة في طبعتها الرابعة عشر.

أمور مثل هذه تعطي أمل رائع على البقاء والتقدم إلى الأمام ولو أن هناك من المعوقات الكثير، إلا أن الفرصة دائمًا لا تزال سانحة، فقط لو تحققت إرادة حقيقية لبدأ العمل، لكن ما العمل فعلًا والمثقفون مشغولون بمعارك جانبية لا تغني ولا تسمن من جوع ولا تفيد بأي حال الثقافة أو الفكر أو الحضارة، سوى بالعودة سنين ضوئية إلى الوراء!

ينظر إلى واقع الثقافة في مصر، يتأمل ما يحدث من صراعات وآمال رغم ذلك، وربما أحلام مخملية! وهنا أجاب المعلم بوضوح شديد أنه بدلًا من تجميع الطاقات الإبداعية في المجتمع، وبدلًا من دعم الكتاب والسينما والمسرح والثقافة والفنون بجميع أشكالها تفتعل معارك وتقسم المثقفين. ناس داخل حظيرة، وناس خارجها. فضلًا على محاولات استخدام إمكانات الدولة في شراء الذمم واستغلال حاجة المثقفين إلى حياة كريمة واحتياجهم لأساسيات الحياة بداهةً! وفي رده على عدم مساندة "فاروق حسني" في حربه لدخول اليونسكو؛ ذكر المعلم "لستُ طرفًا في دخول حسني اليونسكو من عدمه. الدور الذي كان عليّ أن أقوم به فعلته، وهو عندما جاء رئيس اتحاد الناشرين الدوليين إلى مصر زرنا فاروق حسني الذي عرض أفكاره أمام رئيس الاتحاد على أمل أن يؤثر على دول اليونسكو إذا كان له هذا التأثير. لكن في النهاية لا يمكن أن نقيس معارك وهمية بطموحات شخصية. استكمل المعلم عرض رأيه عن انتخابات اليونسكو، فقال إنها كانت معركة دول وأشخاص. والنقطة المهمة أن الصحف العالمية كتبت تقارير عن المرشحين كلهم. والسؤال: هل من الأمانة والمصداقية أن تنقل الصحف المصرية ما كتبته الصحف العالمية أم تخفي الحقيقة ولا تنشر ما ذكرته الصحف. أظن أن واجب الصحافة أن تنقل بالضبط ما كتب في الخارج. وقد تحفظ بعض الشيء على ما نشرته حينها الصحف المصرية، قائلًا: الصحف العالمية الألمانية والإنجليزية والفرنسية كتبت موضوعات عن انتخابات اليونسكو ومن واجب الصحف المصرية نقل وجهات نظر هذه الصحف بأمانة وموضوعية، وإذا غضب أحد؛ فهو لا يريد أن يعرف القارئ المصري آراء العالم من حوله، ففي هذه الحالة تكون مشكلته هو لا مشكلتنا نحن. كذلك كنا نتمنى النجاح لفاروق حسني. والبعض كان لا يرى في مصر من لديهم فرصة أفضل للترشح لليونسكو. وهذا لا يقلل من شأن أي إنسان. وبالطبع لا أقصد حكر الرأي على أحد. وحيث قال: رأى بعض الناس أن هناك من لديهم فرص أفضل للترشح. السؤال هل من له رأي آخر يصبح خائنًا؟ بالطبع لا، وهذا ما كان يجب تأصيله في كل الأمور والبناء عليه، أي التسامح وقبول الرأي الآخر. إلا أن ما تثيره قضية اليونسكو، يفجر بدوره أمورًا مشابهة تعلقت بالوزير السابق.

استقبل المثقفون الإحتفال بعيد الفطر المبارك وقتها بتصريحات السيد فاروق حسني وزير الثقافة الذي أكد فيها أنه أرسل قائمة بأسماء الموقعين على البيان الذي طالب فيه أكثر من مائة مثقف بإقالته من منصبه إلى اتحاد كتُاب مصر، مؤكدًا أنهم "غير مثقفين"، بعد أن جاء إليه الرد من أن خمسة من الموقعين أعضاء في الاتحاد والبقية غير أعضاء وتم وصفهم بأنهم "نشطاء سياسيون أو صحفيون". قال حسني في تصريحاته للمصري اليوم إن الموقعين على بيان المطالبة بـ "إقالتي ليسوا مثقفين، وأغلبهم أعضاء في حركة كفاية ونشطاء سياسيون، وعدد قليل منهم فقط ينتمون لاتحاد الكتاب". وهنا يثور السؤال حول ما مدى استقلال اتحاد كتاب مصر عن وزارة الثقافة المصرية. وبسؤاله عن هذه القائمة أكد محمد سلماوى رئيس اتحاد كتُاب مصر في ذلك الوقت أنه لم يقرأ ما نُشر، وأنه خارج القاهرة، ولم يكذب سلماوي أو يؤكد صحة الخطابات بين الوزير والاتحاد، أو كيف تم إجراؤها. أما الدكتور مدحت الجيار عضو مجلس الاتحاد فأكد أنه لا يعلم شيئًا عن هذه القائمة، موضحًا أنه لم يتصل حتى الآن بمحمد سلماوي لمعرفة رأيه فيما نُشر. وأضاف الجيار: "المقصود حسبما فهمته وأعرفه عن تفكير الوزير أنه أراد معرفة هل الموقعون قوة مؤسسية ذات كينونة تنتمي إلى اتحاد الكتاب أم أنهم ضمن تجمعات الرفض الجديدة التى يمثلها البرادعي أو حسن نافعة وغيرهما". وتعليقًا على ذلك أكد الدكتور علاء الأسواني أحد الموقعين على البيان أنه لا يجوز لأي نقابة أو هيئة إعطاء بيانات أعضائها إلا بأمر قضائي، متسائلًا: وهل أعضاء الاتحاد هم فقط المثقفون، خاصة أن الاتحاد يعاني مشاكل كثيرة، وكلنا نعلم من هم بعض الأعضاء الذين انتسبوا له بكتب عن عسل النحل وأشياء أخرى تصب في صالح العملية الانتخابية لرؤساء الإتحادات؟ وأكد الأسواني أنه من حق الرأي العام معرفة علاقة وزارة الثقافة بكل من يدافع عن وزير الثقافة فاروق حسني ووزارته. أما عمار على حسن أحد الموقعين على البيان والذي ذكره فاروق حسني بأنه "صحفي" حسبما جاء إليه من اتحاد كتُاب مصر فقال إن تصريحات حسني: تثبت أنه رجل نطق فأظهر حجم ما هو مخبوء تحت لسانه لعدم فهمه معنى الثقافة والمثقفين، إذ حصر المثقف في الموظف الذي يعمل معه أو عضو اتحاد كتاب مصر، رغم أن الوزير نفسه ليس عضوا في الاتحاد. وأضاف عمار على حسن أن الوزير من الواضح أنه لا يتابع الحركة الثقافية فهو مثلًا لا يعرف الدكتور عاصم الدسوقي المؤرخ الشهير الذي يتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة، مشيرًا إلى أن ما قاله حسني يعد كارثة حقيقية فهو لا يفهم معنى الثقافة، ونحمد الله أنه لم يفز في انتخابات اليونسكو؛ حيث كان من المتوقع أن يفعل حماقات وكوارث. وأشار عمار إلى أن فاروق حسني نسي أنه وقف باهتًا إلى جانب الأستاذ نجيب محفوظ ليسلمنى عام 1994 جائزة القصة القصيرة، فضلًا عن أنه لا يتابع أنه صدر ليّ نحو عشرين مؤلفًا، ستة منها في الأدب وأني حصلت على جائزة الشيخ زايد التي حصل عليها أمثال جمال الغيطاني وثروت عكاشة. وأكد عمار أن بيانات فاروق حسني التى حصل عليها من اتحاد الكتاب غير صحيحة وغير دقيقة إذ يقول إن خمسة فقط من 102 مثقف أعضاء في الاتحاد والحقيقي أن 50 من الموقعين أعضاء في الاتحاد، و3 منهم أعضاء مجلس الاتحاد. هذا ما يتناوله الواقع الثقافي المصري في وقت من الأوقات، وهو ما شهده عن المهندس إبراهيم المعلم رئيس مجلس إدارة "الشروق" أي الواقع الثقافي في مصر والهيئة العامة للكتاب ودور وزارة الثقافة. ثم أن ذلك كله يؤثر بدرجة مهولة وغير متوقعة على حركة الكتاب والنشر، فيما يلي يحاول المعلم شرح ذلك بإيجاز مفرط أحيانًا.

يقول "المعلم": وكما نرى أحيانًا بعض النصوص التي تنشر في مجلات وزارة الثقافة مثلًا؛ وتقوم الدنيا، وتقعد عليها، أو السلاسل التابعة لوزارة الثقافة كالوليمة، وأعشاب البحر، وهذه الأشياء كلها، وتقوم الدنيا، وتقعد، وتضطر الوزارة أن تقوم بسحب الأعمال، أو تقوم بإلغاء المنشور. هنا أيضًا ستدخل في مشكلة. صحيح أنه لم يكن عندنا مشكلة أن نهيأ لأنفسنا أننا منفتحون على العالم، وأننا نعيش العصر، لكن في الحقيقة، أننا لسنا منفتحين على العالم، ولا ندري بالعالم؛ ماذا به، ولا نحن نعيش ما يعيشه العالم المعاصر، وربما لا نعرف ما في هذه الدنيا، في الإقتصاد، وفي السياسة، وفي كل شئ. العالم كله واتحاد الناشرين الدولي - لكي نغطي أنفسنا – ماذا يقول؟ الثقافة، والرأي، والإبداع؛ هذا عمل مستقل؛ فلا توجد حكومة، ولا جهة إدارية في العالم تؤلف قصيدة شعر، ولا تؤلف رواية، ولا تقوم بفعل؛ هي وظيفتها أن تعلن التشريعات. وإذا كانت الحكومة تمثل أموال دافعي الضرائب، فهل يصح أن الحكومة، بأموالي أنا؛ تأخذ موقفًا ضد إرادتي، وضد رغبتي، أو ضد الإتجاه العام في المجتمع، أو حقي في المعرفة. ومن هنا يصبح واجب الحكومة أن تعطي هذا الحق؛ لللأدباء، والمفكرين، والناشرين، أن يختلفوا في الرأي، يخرجوا خارج الإطار، يحاولوا أن يجددوا؛ إذ هناك على إثر هذا التضييق على الأدباء والكتاب لغط كبير وربما مثير للخجل! وربما هناك مثال بدا صارخًا وقتها؛ أي الحديث عن قضية قام بها الكاتب السوري حيدر حيدر وعن روايته وليمة لأعشاب البحر، ولو هناك اختلاف بالطبع على درجة كفاءته، والقصة تتكلم عن شباب عراقي هاجر، وذهب للجزائر، وحدثت مشاكل بالجزائر، فيها مشاكل سياسة، بلإضافة إلى مشاكل جنسية، إلى جانب مشاكل قد تظهر للبعض أنها ضد ما نعتقده هنا، وما نحب أن نتكلم به عن العقيدة، وهذه ليست وظيفة الحكومة أن تنشرها؛ خصوصا أنها منشورة، لأنها من أموال دافعي الضرائب، وهل في الأصل وزارة الثقافة الأمريكية، أو الفرنسية، أو الإيطالية، أو اليابانية، أو الكورية؛ تقوم بالنشر؛ أم أنها تشجع النشر! وعليه فلو أنني قمت بوظيفتي، وتركت الناس يقومون بوظائفهم؛ فلن تكون هناك مشكلة. وقد أثيرت بالفعل حسب ما يروي "المعلم" هذه المشكلة؛ بحديث عدد من النواب في مجلس الشعب، وليس عموم القراء، فهم لم يثيروا أي مشكلة، لأنها كانت موجودة من قبل ذلك، وموجودة في الأسواق، وموجودة منذ عقود وقتها، وهي قصة قديمة، والمشكلة التي حدثت بعد ذلك في ثلاث قصص؛ نشرتها وزارة الثقافة، ومنعتها أيضًا وزارة الثقافة. كما حدث أن اعترض مجلس الشعب على " أنف، وثلاثة عيون " للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، وكان القطاع الخاص هو الذي أخرجها في هذا الوقت. ولكن ما الذي حدث؟ بقيت موجودة؛ كما أنه من حق الكاتب أن ينشر، وأن يكون له رأي شجاع؛ كما أن من حق الآخر أن يعترض، وأن يكون له رأي مختلف، لكن في الأخير، لا بد من وسيلة؛ أن رأي الأغلبية هو الذي يسود؛ هل هو متنور بحيث يحمي الحق في الإختلاف، والحق في الإعتقاد، وحرية الفكر، وحرية العقيدة؛ أم لا؟! والسؤال، هل المجتمع فعلًا مؤهل لهذا؟ نعم، لأنك منذ بداية القرن العشرين؛ عندما حدثت مشكلة بخصوص كتاب طه حسين، وحدثت مشكلة في مجلس النواب؛ القاضي وقف بجانبه، والعقاد؛ برغم أنه لا يقدر طه حسين. كتاب الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين عميد الأدب العربي والعقاد وقف بجانبه، وصارت مناقشة، وفي النهاية ظل الكتاب موجودًا، إنما لا بد أن نؤمن أن من حقك أن يكون لك رأيًا مختلفًا، وإيمانًا مختلفًا، وعقيدة مختلفة، ومن حقك أن تعبر عنها، ومن حقي أن أعترض عليك، لكن في الأخير لا بد أن تكون هناك وسيلة ديموقراطية. المسألة أن الشعب كله؛ لا بد أن يرتفع مستواه، فكلما زادت الآراء المختلفة، والحقائق التي تعرض؛ كلما ارتفع مستوى الشعب. والديمقراطية تعني؛ تعود، وتعلم، وممارسة، والديمقراطية تعالج أخطائها، وتعالج نواقصها بالتطبيق، وبالممارسة، وبالديمقراطية، وليس بالتأجيل. الأمر الذي يجترنا مرة أخرى للحديث عن واحدًا من الأمور الهامة والجوهرية للغاية في قطاع النشر والكتاب وصناع هذه المهنة، أي اتحاد الناشرين المصريين ومشكلاته الجلية وإمكاناته المهملة لسنوات طويلة.

يتحدث "المعلم" بوصفه عضو الاتحاد أولًا، ثم رئيسًا لاتحاد الناشرين المصريين، ورئيسًا لاتحاد الناشرين العرب، وأيضًا مطلعًا على السياسات الدولية في هذا الإطار؛ أي نائب رئيس اتحاد الناشرين الدولي. ليطلعنا أنه في الوقت الذي يحظى فيه الكاتب باهتمام كبير على المستوى العربي والعالمي. باعتباره حجر الزاوية في أية نهضة ثقافية إلى جانب كونه يمثل عائدًا اقتصاديًا مضمونًا. ومن هنا لا بد أن تتكاتف كافة الجهود المعنية من المسئولين والمبدعين والناشرين للنهوض به وتطوير صناعته وانتشاره. فإن اتحاد الناشرين المصريين مر بأزمة بين اعضاءه وخلافًا حادًا بين صفوفهم تصاعد وقت رئاسته الاتحاد، ووصل إلى حد تبادل الاتهامات بين الأطراف المتنازعة.

وهنا يحدثنا عن بعض وجهات النظر لأطراف هذه القضية التي نأمل أن لا تتكرر وليتفق الجميع شيوخًا وشبابًا على كلمة سواء أملًا في مواصلة مسيرة التنوير واستمرار جريان نهر الإبداع ورأب الصدع الحالي القائم بين المثقفين على الساحة. هذا وقد بدا معروفًا أن الذي فجر هذا الخلاف بداخل صفوف الاتحاد، في الوقت الذي اختيرت فيه القاهرة مقرًا لاتحاد الناشرين العرب، وفي الوقت الذي يستوجب من المثقفين باختلاف توجهاتهم التضامن من أجل النهوض بالكتاب العربي وتنسيق الجهود من أجل تطويره واتساع رقعة نشره عربيًا ودوليًا بما يتلائم مع حجم الإبداع العربي وتاريخه الضارب في أعماق التاريخ.

ولعل هذا السؤال قد استلزم الاتجاه إلى بعض الأطراف المعنية، والتي نعرض آرائها الآن بأمانة. ففي يوم الثلاثاء 4 يوليو 1995 اجتمع مجلس إدارة إتحاد الناشرين المصريين بحضور معظم أعضاء المجلس إلا الكاتب الأستاذ محمود عبد المنعم مراد الذي كان قد تم انتخابه رئيسًا للاتحاد الناشرين المصريين في انتخابات مارس 1995. بينما حضر وفقًا لمحضر اجتماع الجلسة أعضاء من المجلس وهم المهندس إبراهيم المعلم ومحمد رشاد وحسن عاشور المهندس عصام شلبي، ود. رأفت خالد واللواء عادل شعبان والمستشار محمد لطفي ود. عبد السلام سلطان ومحمود آدم، وترأس الأستاذ حسن عاشور حسب محضر الاجتماع وهو أكبر الأعضاء سنًا.

وشرع في اتخاذ إجراءات انتخابات الرئيس والوكيل والأمين العام وأمين الصندوق من بين الأعضاء المنتخبين. وتقدم المهندس إبراهيم المعلم لترشيح نفسه وأعلن فوزه بالتزكية بإجماع الحاضرين وتم فتح باب الترشيح لانتخاب الوكيل وتم ترشيح الأستاذ محمد أحمد إبراهيم وتم إعلان فوزه بالتزكية بمنصب الوكيل بإجماع الحاضرين وتم إعلان فوز محمد رشاد كأمين عام بالتزكية وفوز حسن عاشور أمين الصندوق بالتزكية أيضًا.

كما تم إحاطة الوزير المختص وهو وزير الثقافة بقرارات المجلس والجهات المعنية بالأمر وهنا تفجرت الأزمة، واعتبر الأستاذ محمود عبد المنعم مراد هذا الانتخاب غير قانوني لعدم حضوره بينما مارس المهندس إبراهيم المعلم عمله باعتباره رئيسًا جديدًا منتخبًا لاتحاد الناشرين وفقًا لجلسة يوليو 95.

الأمر الذي دعا الأستاذ محمود عبد المنعم مراد الكاتب، والذي تم انتخابه في مارس 1995 إلى أن يقول: لأسباب أجهلها ولا أستطيع التثبت منها لاحظت أن السيد وزير الثقافة غير راض عن بقائي رئيسًا لاتحاد الناشرين رغم أني حصلت على أكثر من 90% من أصوات الجمعية العمومية للاتحاد في آخر انتخابات جرت في مارس من نفس العام. ولما عقدنا جلسة لانتخابات هيئة المكتب بمعرفة مجلس الإدارة الذي جرى انتخابه كما ذكرت – انتخبت بإجماع الحاضرين من معنيين ومنتخبين وبعد انتخابي أنا وهيئة المكتب المكونة من الوكيل والأمين العام وأمين الصندوق إضافة إلى رئيس الاتحاد توجهنا إلى السيد وزير الثقافة في مكتبه في نفس الشهر مارس 1995 حيث قدمت المجلس الجديد المنتخب وكانت مقابلة ودية تحدثنا فيها عن أوجه التعاون المطلوبة بين وزارة الثقافة واتحاد الناشرين وفي أبريل 1995 حدث خلاف بيني وبين المهندس إبراهيم المعلم نائب الاتحاد بشان مهمة سافر من أجلها إلى بيروت للتشاور مع بعض الناشرين من دول عربية أخرى بشان إحياء الاتحاد العام للناشرين العربي وفقًا لتوجيهات صادرة من مجلس إدارة الاتحاد المصري إلى السيد المهندس إبراهيم المعلم، كان أهم ما ورد فيها رفض نقل مقر الاتحاد العربي من القاهرة إلى بيروت بأية حال من الأحوال وعدم إجراء انتخابات أو تعديل للقانون الأساسي لاتحاد الناشرين العرب إلا بعد الرجوع إلى مجلس إدارة الاتحاد ولكن فوجئنا بعد سفره مباشرة بفاكس أرسله من بيروت إلى جميع الصحف المصرية يعلن فيها أنه انتخب رئيسًا للاتحاد العام للناشرين العرب ومن هنا نشأ نزاع شديد بين أعضاء مجلس الإدارة حول هذا الموضوع ووقف في صف المهندس إبراهيم المعلم عدد من أعضاء مجلس الإدارة لهم اتجاهات معينة.

أما بالنسبة للانتخابات التي تمت بمصر في يوليو 1995 وجرى فيها انتخاب رئيس جديد للاتحاد، يقول: في الأيام الأخيرة علمت من بعض أعضاء مجلس الإدارة أن السيد إبراهيم المعلم منح نفسه حق الدعوة إلى اجتماع مجلس الإدارة في مكان غير المقر المعروف للمجلس منذ ثلاثين سنة متواصلة. ولم أحضر هذا الاجتماع. ولم أتسلم دعوة إليه وخاصة أنه كان ينبغي قانونًا توجيه الدعوة مني ولم أعلم شيئًا في حينها عن هذه الدعوة ولا جدول أعمالها ولا الذين حضروا هذا الاجتماع وإن كنت قد عرفت فيما بعد أن خمسة من أعضاء المجلس المنتخبين لم يحضروها، وأن المستشار القانوني للسيد وزير الثقافة قد حضر الجلسة دون أن يكون عضوًا في مجلس الإدارة من ما يؤكد بطلانها. وعلمت بعدها بمدة طويلة وبعد التكتم الشديد لما جرى أن المجتمعين قرروا بسبب مسألة إجرائية عدم الاعتراف بشرعية المجلس الأصلي الذي أرأسه، وقرروا فيما بينهم رغم عدم شرعية الاجتماع، إجراء انتخابات جديدة لهيئة المكتب وانتخبوا فيه بينهم رغم بطلان الاجتماع قانونًا المهندس إبراهيم المعلم رئيسًا والسيد محمد أحمد إبراهيم وكيلًا وعضوين آخرين أمينًا عامًا وأمينًا للصندوق، وكما قلت حدث هذا دون أن يكون إبراهيم حاضرًا ولم يرشح نفسه لمنصب الوكيل في الجلسة التالية رفض هذا المنصب لأنه تم بدون حضوره، وبدون رغبته ودون موافقته على شرعية ما حدث وظللت حتى هذه اللحظة جاهلًا لكل ما إتخذ من إجراءات ولم يحطني أحد علمًا بصورة رسمية بما حدث، ونظرا إلى أن الذي حدث قد تم كله كما علمت فيما بعد بتدبير وتخطيط وإشراف وتنفيذ وتصديق وزير الثقافة ولهذا فقد إتخذت قرارًا برفع الأمر إلى القضاء لصدور قرار بإلغاء كل ما تم اتخاذه من إجراءات مخالفة للقانون في هذا الشأن وتجاهل لرأي الجمعية العمومية للاتحاد مع مطالبة الوزير والمهندس إبراهيم المعلم بالتعويض المادي المناسب، واكتفي بذلك حتى يوصل القضاء العادل في هذه القضية.

وبسؤال المهندس إبراهيم المعلم حول تفاصيل ما جرى خلال تلك وأدى إلى نشوب هذا الخلاف وتصاعده بداخل صفوف الاتحاد قال: فوجئ اتحاد الناشرين بالجملة المتجددة والاتهامات الظالمة التي يشنها الأستاذ محمود عبد المنعم مراد لاعتبارات شخصية خالصة بعيدة كل البعد عن مصالح الناشرين المصريين وهمومهم وعن آداب المهنة وأصولها، وبديهيات العمل الجماعي، ولكن يبدو أنه قد عز عليه أن يترك موقعه الذي يقول أنه شغله لمدة ثلاثين عامًا! رغم أنه طوال تلك المدة لم يكن هناك اتحاد بالمعنى المفهوم منذ تولي سيادته المنصب بعد تنحي د. أبو النجا، ولم يجمع الجمعية العمومية في المواعيد المقررة، ولم يجري الانتخابات عامًا بعد عام يجتمع الاتحاد عدد المرات المقررة في القانون، ولم تصدر عنه أية قرارات ذات قيمة ولم تصدر أو يتم اعتماد أية ميزانيات وخالف القائمون على الاتحاد طوال هذه الفترة القانون المنشئ له والمنظم لعمله والصادر بقرار جمهوري بتاريخ 9 يونيو سنة 1965، خالفوه نصًا وروحًا وفهمًا وعملًا مما أدى إلى عدم تمثيل الناشرين تمثيلًا حقيقيًا أو الإطلاع بأهدافهم وإجمال مشاكل النشر والناشرين والتي لم تتم مواجهتها والتصدي لها في الوقت المناسب لما استفحلت وتفشت واستعصت على العلاج؛ كمشكلة التزوير مثلًا ومع كل ذلك وبالرغم منه فقد اعتبرنا أن دخول عناصر جديدة من الأجيال الشابة آلت إليها المسئوليات أو دخلت المهنة من الناشرين الممارسين لها فعلًا في السنوات العشرين الأخيرة أمرًا طبيعيًا وبالفعل جرت وقائع الجمعية العمومية التي حال سيادته دون انعقادها لمدة سنتين في جو من الإحترام المتبادل وروح الزمالة الحقة والالتزام الكامل بالشرعية والقانون وشارك فيها الأستاذ مراد وترأس الجلسة التي انتهت باجراء انتخابات كانت نتيجتها اختيار عشرة أعضاء حصلت من بينهم على أكبر عدد من الأصوات وبما يشبه الاجماع، وجاء هو في المركز الثالث بعد تضافر من صدقوا وعوده وعهوده في تحسين صورته والعمل على انجاحه ورغم كل ذلك فما أن بدأنا العمل حتى بدأ الأستاذ مراد في اختلاق المشاكل من جديد وامتنع عن حضور الاجتماعات أو الدعوة اليها، وخالف القانون من جديد نصًا وروحًا. ولجأ لحملات ظالمة طابعها الافتراء والتشويه. متنكرًا لكل بديهات العمل الجماعي. مهدرًا لكرامة وهيبة مجلس إدارة الاتحاد وأعضائه وتعمد عدم حضور أي اجتماع رسمي، بالرغم من تكرار وعوده بل وأبلغني وأبلغ غيري صراحة: أنه سيعمل جاهدًا على افشال الاتحادين المصري والعربي، وأنه لن يهدأ له بال إلا بتعجيزهما عن العمل!

وفي معرض حديثه عن جلسة انتخابه كرئيس للاتحاد المصري، قال: لم يكن أمامنا إلا العمل الجاد والشرعي لإنقاذ الاتحاد وتهيئة المجال ليتمكن من العمل والانجاز؛ ومن هنا فوضني أغلبية الأعضاء لاستكمال تشكيل الاتحاد عن طريق إستصدار القرارات الوزارية اللازمة بتعيين الأعضاء التسعة الممثلين للحكومة، ودعوة مجلس الإدارة بكامل أعضائه للاجتماع بعد اكتمال التشكيل لجلسة إجراءات تمت بجلسة 4 يوليو من نفس العام، جرى فيها انتخاب الرئيس والوكيل والأمين العام وأمين الصندوق بعد التأكد من سلامة الاجراءات واكتمال التشكيل ثم اكتمال النصاب، وبدأ الاتحاد سلسلة من الاجتماعات الجادة واتخذ العديد من القرارات الهامة التي لم يتخذ مثلها للأسف طوال الأعوام الثلاثين المذكورة، وتفرغنا جميعًا للعمل ولمواجهة مشاكل المهنة الطاحنة والتي يعمل ويعاني منها كل المشتغلين بجدية بها.

ونتيجة لتحرك اللجنة المصرية لمكافحة التزوير برئاستنا إلى لبنان وبعد أن رفض الأستاذ مراد عقد مجلس إدارة اتحاد الناشرين المصري ولا الدعوة لعقد جمعية عمومية يحضرها الوزير لمناقشة تزوير الكتاب اشتركنا مع زملائنا الناشرين العرب في مؤتمرات عامة في دمشق وعمان ثم القاهرة وفي القاهرة رأس هو الاجتماع وتلى بنفسه القرارات التى نصت على تشكيل لجنة تحضيرية من ممثلي خمسة اتحادات تم اختياري مقررًا لها حيث كلفت بتعديل قانون اتحاد الناشرين العرب الصادر بتوصية من جامعة الدول العربية في سنة 1969 وقد استقبلني د. عصمت عبد المجيد أمين عام جامعة الدول العربية واطلع مني على كل خطوات انشاء الاتحاد وسعد به ورحب ثم استقبلها مجلس إدارة الاتحاد وتم الإتفاق على أن يعمل الاتحاد تحت مظلة جامعة الدول العربية وبالتنسيق الكامل مع إدارتها ومؤسساتها المختصة، بل وقرر أن يحضر الاتحاد كعضو مراقب لجميع اجتماعات الوزراء العرب التى تمس أهداف وقضايا النشر. وسيبدأ بتقديم مذكرة بقانون عربي بموحد لحماية حقوق النشر والتأليف الاجتماع وزراء العدل العرب، وفي وسط انشغالنا جميعًا بما تقتضيه مصالح ومشاكل المهنة فوجئنا باتهامات باطلة لا تتحمل حياتنا الثقافية لانشغال بها، أو تخيل اتفاقات ومؤامرات لا معقولة لا تثير غير الحزن حقيقةً.

أما وزير الثقافة الفنان فاروق حسني فقد روى حقيقة موقفه من هذه الازمة، وما صلته بما يجري بداخل اتحاد الناشرين المصريين. فقال: أن وزارة الثقافة هي وزارة الدولة ومن حق الأستاذ محمود عبد المنعم مراد الكتابة ككاتب وناقد، ونحن في الوزارة وراء الشرعية؛ ولهذا كُنا وراءه عندما كان رئيسًا لاتحاد الناشرين المصريين وساندناه ولبينا بكل الود والإخلاص مطالبه. أما بالنسبة لي؛ ما حدث في الإنتخابات فإن الوزارة لا تتدخل فيه؛ لأنه ليس أسلوب الوزارة ونحن مع الشرعية أيا كانت، كما نرجو له كل التوفيق ولكل أعضاء الاتحاد، أما بالنسبة لمسألة التدخل في الانتخابات الأخيرة فليقل لي أحد من المجلس كيف تدخل وزير الثقافة؟ إنني حزين لسماع هذا الأمر، فقد قيل من كاتب مرموق مثل الأستاذ مراد! نحن فقط تأتينا النتائج ونعلم بها باعتبار الوزارة منوطة بهذه الأنشطة، وليس لدينا إمكانية للتأثير على سير الإنتخابات لأنها تتم في حرية مطلقة في الاختيارات وعلى هذا الأساس أعتبر أن ما قاله الأستاذ مراد اتهامات بلا وقائع.

ولعله نفس ما قاله د. سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب الذي قال: لم أكن حاضرًا جلسة الإنتخابات التي تمت في يوليو الماضي لوجودي في الخارج، ولكني حضرت الجلسة التالية بعد اتمام الإنتخابات وكانت الأمور تؤكد أنه انتخاب شرعي وقانوني، ولذلك فأنني كرئيس لهيئة الكتاب لا أدخل طرفًا في أية نزاعات بين الأعضاء المنتخبين، وإنما أنظر إلى الأمر على أساس قانونيته. ولما وجدت أن هناك انتخابًا قانونيًا قد تم وأن هناك مجلسًا منتخبًا – فقد قررت حضور الجلسة التالية بصفتي أحد الأعضاء المعنيين وأيضًا لمناقشة بند من أهم البنود على جدول الأعمال وهو التعاون بين هيئة الكتاب وبين اتحاد الناشرين وهو التعاون الذي نرحب به ترحيبًا كبيرًا مع أي مجلس يرتضيه الناشرون المصريون وينتخبونه إنتخابًا حرًا مباشرًا.

والآن وبعد استعراض كافة أطراف القضية وبكل الأمانة والود. نأمل ألا تتصاعد هكذا أمور وتستفتح على ساحتنا الثقافية مرة أخرى، ولا بين القائمين على صناعة الكتاب والنشر ولا بين أعضاء الاتحاد ولا بين المسئولين عن الثقافة في مصر. ونأمل في لقاءات مفتوحة قائمة على الود والمصارحة والتفاهم المتبادل من أجل الاعلاء من شأن الثقافة والكتاب وجمع كافة الجهود وتجميع كل الأفكار الخلاقة والمبدعة من أجل مستقبل الكتاب في مصر ومواجهة مشاكله الحقيقية التي تواجه صناعته ورواجه في الداخل والخارج بالفعل مع الإستفادة بخبرة الشيوخ وأفكار الشباب على السواء.

وهنا، يواصل "المعلم" خلخلة الوضع غير المتزن لظروف الناشرين المصريين، فهو لا يعرف المعلم للأسف أي إحصاءات موثوقة باعتباره ناشرًا مهمًا في مصر والعالم، عما أصاب حركة التصدير والنشر فرض الكثير من الضرائب على سبيل المثال. لكن اللافت أن بعض الناشرين المصريين وعددهم كبير بدأوا يطبعون في الخارج وهذه خسارة واضحة وغرفة الطباعة التي بها 2000 مطبعة تشتكي كلها بأنها ستقفل.

وحركة تصدير الكتاب في مصر الآن لا تزيد على 5% عما يجب أن تكون عليه. ولننتبه أن تصدير الثقافة يختلف عن بقية السلع لأنها تحقق لمصر الريادة والأمن والاستراتيجية وقبول الزعامة والسياسة ولأن من يقبل ثقافتك ويربى عليها يجىء للزيارة والسياحة ويقبل كل منتجاتك الأخرى.

الأمر الذي يأخذنا إلى معارض الكتب بمختلف بلدانها، وعلى هذا يرى "المعلم" أن المعرض أساس الكتب؛ وعليه فيجب ألا نقلل من شأن الكتب ولا من عمليات البيع. وأن نجاح المعرض هو وصول هذه الكتب إلى الناس. من هنا فإن بيع الكتب ليست عملية حقيرة وإلا فليتوقف المؤلفون عن التأليف! وإذا لم تبع الكتب فهناك فشل في المنظومة كلها. وفي سبيل هذا تعقد الندوات والاحتفالات لتصب كلها في هذا الغرض. هو معرض أساسًا للكتب وليس معرض للرقص أو لبيع الملابس والأحذية والباعة الجائلين!

ما يعني أن اتحاد الناشرين مع الثقافة بمختلف طرق رواجها، ومصر عليها تقديم فاعليات ثقافية على أعلى مستوى من العمق والتميز والتجديد؛ لتمثل فيها مصر والحرية والمعرفة والديمقراطية أجمل تمثيل، وتضم كل رموز الفكر والتنوير في مصر والعالم العربي. وبالتالي لا نريد ندوات يكون فيها عدد الذين يتكلمون أكبر من عدد الحاضرين لا نريد ندوات تنافق وزراء لا علاقة لهم بالموضوع ويأتي موظف الوزارة ليجلسوا في القاعة حتى ملئها!

وهو الواقع الذي يعيد طرح السؤال وإن بطرق مختلفة، جميعها مؤلم مع الأسف؛ أي عن الكتاب المدرسي لأنه اللبنة الأولى التي ينبني عليها حب القراءة من عدمه لدى الجميع، ومنه تتشكل شخصية تلميذ سيكون يومًا، معلمًا ومهندسًا وطبيبًا، وأديبًا وشاعرًا، ومنه تتشكل ثقافته وأفكاره الحقيقية تجاه كل محيطه، وهنا يكون متحضرًا متذوقًا للفنون ومتبنيًا لقيم الإنسانية والتسامح والمشاركة أو همجيًا لم تهذبه ثقافة ولم يرتقي به تعليم!

صحيح أن المعلن على الدوام هو العمل على تطوير الكتاب المدرسي والنهوض بمستوى التعليم بعامة، المدرسي والجامعي؛ وهو ما يعني الارتقاء بمستوى الثقافة كلها في الوقت نفسه، وهو ما ينعكس بدوره على كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية بالأخص. إلا أن الأمور لا تسير وفقًا لهذا المعلن على الدوام، بالأخص في بلداننا العربية ومصر منها بطبيعة الحال.

وهو ما بدا جليًا ولافتًا حين نعرف أن النظام السابق قال: قمنا بعمل خمسين ألف مكتبة في مصر، هذا جيد جدًا؛ لكن الخمسين ألف مكتبة هذه؛ أين توجد؟! عندما قالوا ذلك؛ أنا طلبت، وكان صفوت الشريف يجلس في الإجتماع، قلت والله نحن نريد ومستعدين أن نذهب إليهم؛ فأحضروا لنا قائمة بهذه المكتبات؛ فضحكوا وصمتوا. فلو أن كل مكتبة أخذت نسخة؛ لأخذوا خمسين ألف نسخة.

هذا وقد تم عمل مشروع جيد جدًا منذ عشر سنوات؛ اسمه البرنامج القومي للكتاب؛ فقاموا بعمل كتب لأطفال المدارس الإبتدائية، والإعدادية، والثانوية؛ بحيث ذهبت لاثنين وأربعين ألف مدرسة، مكتبة بالكتب. لكن بالطبع كانت هناك مشاكل، لأنها تحدث لأول مرة، وتم التوقف؛ بينما كان هذا المشروع مهمًا جدًا، لأنه ليس فقط الطلبة هم الذين يرون لأول مرة كتبًا جميلة، وكتبًا بالمقاييس العالمية؛ بل المدرسين أيضًا لم يروا كتبًا جميلة من قبل، ولم يروا إلا الكتب المدرسية؛ التي أصبحنا متأخرين عن العالم العربي فيها، الكتاب المدرسي في مصر منفر، متخلف، شكلًا وموضوعًا.

لقد قمنا مرة عندنا بعمل لجنة تاريخية برئاسة الدكتور يونان لبيب، والدكتورة لطيفة سالم، ومجموعة كبيرة، وطلبت منهم أن يدرسوا كتب الدراسات الإجتماعية؛ فكان رأيهم؛ والذي قاله الدكتور يونان لبيب؛ إذا كنت تريد إخراج جيل جاهل بتاريخ بلده، وفاقد للإنتماء؛ فهذه هي أفضل الكتب لذلك! ما رأي سيادتك في ذلك؟!

وقاموا بعمل دراسة تفصيلية بذلك، يعني من المضحكات أن يقولوا لك مثلًا؛ الناصر صلاح الدين الأيوبي، وقد وضعوا صورة أحمد مظهر مرتين، وأنت حتى لا تقول أن هذا هو الفنان أحمد مظهر، وهو يمثل دور الناصر صلاح الدين، فيخرج هؤلاء، وقد اعتقدوا أن الفنان أحمد مظهر هو صلاح الدين الأيوبي!

هذا في الكتاب المدرسي، ليس ذلك وحسب؛ فقد قال لي الدكتور محمد قنديل؛ أنهم قاموا بوضع بعض الأحداث التي حدثت في التاريخ، وهي قد حدثت في فيلم وا إسلاماه؛ فبدلًا من أن يعتمد الفيلم على التاريخ؛ فإن كتاب التاريخ يعتمد على ما حدث في الفيلم! التي هي شئ درامي للغاية.

وماذا عن كتاب اللغة العربية، فنحن لدينا مصيبة تعم العالم العربي كله في تدريس اللغة العربية. يقول المعلم: حتى جامعة الدول العربية، وقد كنت أتكلم منذ وقت قريب، أيها الناس؛ تدريس اللغة العربية في العالم العربي كله؛ يزداد تخلفًا، والعالم كله يقفز في التدريس، هناك طرق حديثة في التدريس، وفي استخدام التكنولوجيا، والتفاعل بين الطالب، والتي هي في التعليم بصفة عامة، ونحن لا نأخذها، ونحن أصبحت عندنا الكتب المدرسية الخاصة باللغة العربية؛ أسوأ من كتبنا في النصف الأول من القرن العشرين.

إذا سيخرج لنا أناس لا يستطيعون التحدث بلغة عربية سليمة، فأنت تتحدث بالعربية، وتفكر بالعربية، وتقرأ بالعربية؛ فإذا كنت ضعيفًا في اللغة العربية؛ فلن تستطيع التفكير جيدًا، ولن تستطيع التعبير عن نفسك بشكل جيد، ولن تستطيع القراءة، ولن تحبها، ولن تحب الكتاب.

والورقة التي تم عملها، ولقد اطلعت عليها سريعًا، يمكن أن يكون بها أمورًا إيجابية؛ ولكن بها بعض الأمور التي يجب أن تثار، من الكلام الذي قد قيل، وأظن أن من أهداف المرحلة؛ الإصلاح، والإصلاح الإقتصادي، والإصلاح الشامل، والإصلاح الديمقراطي، وأن كل فعاليات المجتمع تشترك.

صحيح أن الكتاب المصري والعربي عمومًا، ليس بحالة جيدة جدًا، لكن الدال على مستوى الاهتمام يكون دائمًا منطلقًا من كتاب الطفل والكتاب المدرسي، لأنهما بوابة القارىء إلى القراءة وحب المعرفة بدايةً، أي قبل أن يصبح قارئًا أصلا. لكن العجيب أن هناك من يرى أن هذا التفكير في مجتمع مثل مصر ترفًا لا نقدر عليه!

والحق، أننا لسنا في حاجة إلى سبعمائة وأربعين مليونًا كي نبدأ بتطوير كتب الأطفال والكتب المدرسية. لعل مصر تكاد تكون ظاهرة ثقافية بنفسها، وأن القوة الناعمة بها؛ هي أكبر قوة لديها، وتأتي القوة الثقافية في الفكر وفي التدريس وفي الطب وفي الكتب وفي الشعر وفي الرواية وفي السينما وغيرها، هذه قوى كبرى؛ لا بد أن ندعمها، ولا بد أن تزدهر، وتصدير الثقافة يشجع باقي الصادرات، ويمهد لها الطريق، وهو أحسن دعاية للفكر، وللمكانة، وللسياسة، وأكثر أمانًا لإستراتيجيتك.

الأمر الذي يدعونا إلى التوقف قليلًا وتأمل المشهد، فكيف كنا نقوم بتصدير كتبنا المدرسية للدول العربية، وإلام انتهى المشهد الآن؟! ويجيب "المعلم" أن أقدم صادرات مصر في العصر الحديث هي الكتاب، فمنذ القرن التاسع عشر؛ الكتاب المصري يصل إلى إندونيسيا شرقًا، والمغرب، وموريتانيا غربًا، والكتب المدرسية كذلك؛ كانت في وقت من الأوقات، تصدر في مصر بمؤلفين مصريين وتدرس لـ 60 % من العالم العربي.

وهذه ميزة ثقافية، وفكرية، وسياسية، واستراتيجية، واقتصادية هائلة، لم تعد موجودة الآن، فنصف الكتب المدرسية الموجودة في العالم العربي الآن أفضل من الكتاب المصري بمراحل بالغة الدلالة.

بالطبع هذا حديث مثير للشجن، فالأطفال الصغار، والشعوب البدائية، لا تعرف القيم المجردة، فعندما نحضر طفلًا صغيرًا، ونحدثه عن الشجاعة، أو عن الإبداع، فلن يكون على درجة كبيرة من فهم ذلك، لكن حينما تحدثه عن الكوب، والطبق، والفنجان؛ فسيفهم، فلا يجوز لمجتمع كمصر بعراقته، بمكانته، وتاريخه، وثقافته؛ ألا يعرف معنى قيمة الملكية الفكرية، وقيمة المحتوى.

فالكتاب المدرسي يتطور بما فيه، لكن ليس بالورق، ولو كنت بالطبع تحتاج لورق جيد، وطباعة جيدة بكل تأكيد، لكن أهم شيء المنهج، المقرر، طريقة الكتابة، وأن يحشد الناشر ما في هذه البلد من طاقات، وقدرة على التأليف، من أخصائيين في التربية، من فنانين في رسم كتب الأطفال على مستوى عالمي، ويحصلوا على أفضل جوائز، ومن متخصصين في الإخراج، وأن يكون هناك –كما في العالم كله– منافسة.

وعندما تأتي إلى المواد مثل الرياضيات، ومثل الكيمياء، مثل الطبيعة، ببساطة، لقد اعتدنا على الكتب المدرسية، وكأنها –ولو أنها كلمة مؤلمة جدًا– نشعر أنها (بواقي)، وأن الكتاب المدرسي هذا هو أرخص كتاب. وانظر مثلًا، ولتحكم بنفسك، اكتشفت أمريكا أن كتب سنغافورة؛ هي أحسن كتب، وأحسن مناهج لتدريس الرياضيات؛ فبدأت تجربة في ثلاث ولايات لتدريس الكتب، والمناهج السنغافورية بعد أن ترجموها بالإنجليزية.

أما هنا فحتمًا سنجد من يقول لا يصح، ولا ينفع. فكيف لا ينفع؟! وها نحن نقول: كوريا متقدمة، واليابان متقدمة، وعندما آتي إلى الرياضيات، والعلوم، عندما تقول أيها الناشرون المصريون؛ سأقوم بعمل منافسة، إيتوني بأفضل مناهج في العالم، وأحدث مناهج في العالم، ولا تأتوني بها كما هي؛ اجعلوها باللغة العربية، ثم اجعلوها مصرية، واجعلوا المؤلفين المصريين المتخصصين؛ يشتركوا بأن يأخذوا من أفكار منها، ثم ينتجوا كتابًا مصريًا أفضل، وعلى هذا المستوى.

وسأقوم بعمل مسابقة، وأنت سوف تتكلم، وفي النهاية سأختار الكتاب، أو الكتب الأفضل، والأنجح، المشوقة، الجذابة، الناجحة، والتي تصل إلى المستوى العالمي، وأجعلها مقررة على مدارسنا.

هذا ما نجده جليًا عندما نقوم بعمل مثل هذه المسابقات، كما يفعل العالم كله، وتأتي وزارة الري لتحكم هي، وإذا كانت هذه الكتب تستغرق سنة، كما يحدث في العرف العالمي، فتقوم أنت بعمل مسابقة، وتحدد المدة بأربعة شهور! معنى ذلك أنك إما تريد أن تخرجها بلا جودة (تكلفتها)، أو أنك غير مدرك للمعايير العالمية، أو أنك لا تأخذ الأمر على محمل الجدية.

والحقيقة أن الثلاثة احتمالات قائمة وبصورة فجة للغاية! فلا نحن مهتمون؛ ولا نحن واعون، ولا نقوم بعمل ذي جودة تحترم مع الأسف.

أما الشيء المضحك، أنه عندما نقيم هذه المسابقة، وتستدعي الناشرين، وتقول لهم، أيها الناشرون فلتأتوا بأفضل، وأحسن من في البلد، وأحسن ما في العالم، وأنتجوا لي أفضل الكتب، وتقول إنني سأقوم بعمل مسابقة بينكم، والذي يحصل على من 90 % إلى 99 %. ومن الذي يقوم بالتقييم؟! أنت! لجان في الوزارة.

وهذا يحكيه "المعلم" بوصفه قارئًا أولًا ومهمومًا بالثقافة العربية بشكل عام، وبوصفه رئيس اتحاد الناشرين المصريين واتحاد الناشرين العرب ونائب رئيس اتحاد الناشرين الدولي، يعني أن الأمر يخرج من كونه مسألة ياتي الاهتمام بها ذو طابع عفوي مثلًا، وإنما من واقع المسئولية والوعي بهذه الأمور بالغة الأهمية والدلالة على تقدم بلد ما وتأخر غيره.

كما يرى "المعلم" أنه من المهم بمكان هو سؤال الترجمة، ضرورتها وموقف الجميع تجاهها بما فيهم الدولة وأجهزتها، وما هي الحالة الراهنة وما يمكن أن تؤول إليه مستقبلًا. حيث كان من المقدر لحركة النشر في العالم أجمع مبلغ حوالي 82000 مليون دولار، ليكون ثلث المبلغ في أمريكا وثلثيه في أوروبا و25%في أسيا. أما أمريكا اللاتينية وإفريقيا والعالم العربي؛ فلم يشاركوا بأكثر من 5% فقط من إجمالي القيمة. لذلك يجب أولًا العمل على تشجيع حركة النشر والقراءة قبل حركة الترجمة وإلا سيبدو الأمر كأننا نقوم بنشر أعمال مترجمة لا يقرأها أحد. ومن هنا يخبرنا "المعلم" بصفته رئيس اتحاد الناشرين المصريين وقتها، بأنه تم تخصيص لجان دولية تتولى بحث الأمر وتطرقنا أيضًا لموضوعات تحريف الترجمة لحماية حقوق الكتاب وأردنا أن تقوم الدول الأكثر تقدمًا بتسهيل الأمور لغيرها في هذا المجال.

يتناوب "المعلم" الموضوعات المتعلقة بالكتاب والنشر وأهمها معرض القاهرة بوصفه مثقفًا مصريًا في المقام الأول، ثم كصاحب واحدة من أكبر دور النشر في الوطن العربي والعالم، وأيضًا عبر بوابة حلمه بمعرض يلبي جيدًا تطلعات المثقفين والقراء. قائلًا: من المبالغة اضفاء صفة الدولية على المعرض حتى لو كان معرض الكتاب مناسبة حقيقية تستجيب لتلك الحاجة فهو يفتقد الصفة الدولية. ولكن المعرض يعد أكبر ملتقى بين العامة والكتاب في العالم العربي الإسلامي. ولكن وزراء الثقافة لسنوات طويلة لم يقم أي منهم بدوره كما ينبغي أن يكون. الأمر الذي لا يفيد معه أسف لأن المعرض لم يشغل الصف الأول لمثل تلك الأحداث الدولية. حيث يحرص وزير الثقافة على لعب دور يتماشى مع التقاليد الديموقراطية. وكما تفرضه ظروف القرن الواحد والعشرين وهو دور المراقب لنوعية الخدمة الثقافية المقدمة للمواطنين والمنظمة لسوق صناعة الثقافة. في الواقع هو يتبنى سياسة النعامة ويريد أن يفعل كل شيء بنفسه، وثمن هذه السياسة من دون احترافية، وهو ما يتسبب في تهميشنا وعدم حصولنا على التقدير في المجالات الثقافية المعنية بالأمر. ولا جدوى من شرح فكرة أن معرض الكتاب لا بد يتضمن لقاءات بين المختصين في الكتب بمعنى الكتاب والناشرين وأصحاب المكتبات والمدرسين والموثقين والباحثين. وعلى سبيل المثال؛ ففي السابق كان مؤسس دار النشر الفرنسية داليمار يصر على حضور معرض الكتاب المصري. بالطبع فإن بيع الكتب أمر مهم ولكنها مهمة من بين مهام أخرى كثيرة. كما أن الندوات التى تقوم بدعوة بعض الشخصيات السياسية أمر لا معنى له.

يرى "المعلم" أنه ليس هناك ما يمنع أن يكون معرض القاهرة معرضًا دوليًا. قائلًا: النقطة أن هذا المعرض له ظروفه الخاصة، فهو يقام في القاهرة؛ والقاهرة جغرافيا، وعمق التاريخ هي عاصمة الثقافة في مصر، والعالم العربي، والعالم الإسلامي، وهي مدينة من أكبر مدن العالم، ففي القاهرة وحدها؛ بجغرافيتها، بتاريخها، بعظمتها، بعدد سكانها، كفيلة بأن أي معرض، أو سوق للكتاب بالنسبة للعالم العربي، والإسلامي؛ لا ينافسه، ولا يدانيه معرض، فهو بوضعه الحالي؛ هو أكبر حدث ثقافي، عربي، أو إسلامي، ليس في مصر وحدها، وإنما في العالم كله، إذا عندما يكون لديك هذا الهرم، وهذه الفرصة، وعندك الثقافة مهمة، والكتاب مهم، وازدهار حركة التأليف، والكتابة مهمة، وتصدير كل هذا مهم، إذا فهل تعمل على تحويله بالفعل لمعرض، أم تظل لمدة عشرين سنة لا تنفق أي مليم، وبدلًا من عمل إنجاز؛ تحتال على نفسك، وتحتال على الناس، وتخترع ألقابًا عندما يسمعها الناس؛ يسخرون منا!

هذا بالإضافة إلى موضوع الأرقام، فليس لدينا أرقام نستطيع الإعتماد على دقتها ببساطة! وهو ما حدث لسنوات طويلة منذ بداية الثمانينات، إلى سنوات قليلة ماضية؛ حيث كان هناك اتجاه لتضخيم الأرقام، والتأليف، وخداع النفس، وخداع الغير، وأهم شئ أن تقدم للمسئولين، وتقدم للشعب؛ أرقامًا تجعلهم يتخذون قرارات غير صائبة. إلى حد القول بأحد المعارض أن هناك سبعة وتسعون دولة مشاركة، في حين أنه لم توجد غير الدول العربية فقط، وقيل أن هناك ثمانية عشر مليون عنوان؛ بينما كل العناوين التي صدرت باللغة العربية منذ 1800 م حتي الآن؛ يقل عن خمسمائة ألف عنوان!

كما أنه أشار حقيقة ما يستنكر فيها ما تدفع به الحكومات من معلومات قد تكون مضللة بشكل كبير، فعندما تقول أن زوار المعرض في اليوم مثلًا؛ سبعون ألفًا، أو مائة ألف، وهذا رقم هائل، فلماذا تقول مليونًا ونصف المليون، لماذا؟! لماذا تحتال على نفسك، كيف يدخل المليون والنصف فقط؟! هذا غير ممكن بالطبع! ولا يمكن، غير أن الحكومة ساعتها تصنع من نفسها أضحوكة، ثم بعدها تقول: "عندنا ستة آلاف ناشر"! لو كان عندك ستة آلاف ناشر فعلًا، فإيجار النشر، إيجار الجناح، أقل شيء يدفعه الناشر؛ لا يقل عن خمسة آلاف جنيها، وبحسبة بسيطة، خمسة آلاف جنيه، وستة آلاف ناشر؛ يصير لدينا ثلاثون مليونًا، أين هم الثلاثون مليونًا؟!

كما يحكي "المعلم" أنه يحدث المسئولين بهذا الكلام منذ زمن، يقوله سرًا، ويقوله بطرق أخرى، ويقول للصحفيين، ألا يتحدثوا بما ليس له أساس من الصحة، لا بد أن تروا بأنفسكم. لكن يقابل كل ذلك على محمل أنه يفسد الفرحة! يقول: ودائمًا تقال ليّ هذه الكلمة "لا تفسد الفرح"! وأقول أيها الناس، هذا معرض كبير، بالنسبة للناشرين المصريين، والكتاب المصريين، وللقارئ المصري؛ هذا حدث كبير ينتظرونه كل سنة، وهو هام جدًا في حياتنا، ومن خلال أهميته هذه؛ نحن نريد تطويره، فعندما نتحدث هكذا، ليس لأنه معرض، لا، بل لأنه معرض كبير، ومعرض مهم، وحدث ثقافي، فعندما يكون لديك حدث ثقافي سنوي، ورئيس الدولة حريص أن يذهب بنفسه شخصيًا لإفتتاحه، ويلتقي بالكتاب، والمثقفين، فهذا يضفي عليه من الأهمية، ويعطيه صبغة رسمية، وإعلامية، واهتمام إعلامي؛ صعب أن يحصل عليه أي معرض، بل بالعكس، أصبحت الدول العربية تقلدنا في هذا الأمر.

لكن لا يجوز أن يكون لدي الإهتمام الرسمي على أعلى مستوى، والإهتمام الجماهيري على أعلى مستوى، ولديك مائة ألف زائر في اليوم من مختلف الأعمار، ومن مختلف الإهتمامات، من الطفل الصغير، إلى الشيخ الكبير، أفهمت قصدي، وأيضا لديك كنز من الكتب، وكنز من الناشرين، وكنز من ثقافة، ومكانة بلدك، ولا تعمل على تطويره، وأنت تعتمد في دخلك على الإشتراكات التي يدفعها الناشرون، وتعتمد على بعض الرسوم التي يدفعها الناس عند دخولهم.

كل هذه الأمور تدفع بالفعل إلى ضرورة التطوير والأخذ الجاد بشكوى الجميع ووزنها بميزان العقل والمنطق وما يجب فعله، وما نستطيع فعله وما نأمله بالضرورة!

وهذا للاستفادة من الصناعة الثقافية للكتاب، حيث أوضح "المعلم" أنه من الناحية الاقتصادية نستطيع القول بأن المعرض يعد سوقًا لحقوق الكتاب والمبدعين. هذا الأمر يسمح بترجمة أعمال الكتاب المحليين لعدة لغات أخرى ودمج أعمال وإبداعات العالم في الثقافة المحلية وبالتالي يتم تبادل الخبرات. بدون هذا الأمر فإن حركة التبادل والمشاركة الفكرية الدولية سوف تفقد نشاطها.

اليوم نستطيع القول أنه بعد مشاركة معرض كتاب أبو ظبي في معرض فرانكفورت الدولي، أصبح هذا المعرض معروفًا على المستوى الدولي أكثر من معرض القاهرة. وقد قمت بتنظيم لقاء بين وزير الثقافة المصري ورئيس معرض فرانكفورت السيد هرمان ب. سبوجيت، وقدم الأخير للوزير عرضًا بالمشاركة بالصورة التي تحلو له ولكن لم يهتم الوزير بالأمر. هذا العرض كان يعني إيمان الجانب الألماني بمعرض الكتاب المصري. للحد الذي يقول فيه "المعلم" بعد كل هذه الفرص الضائعة بطريقة ما: أستطيع القول بأننا الآن لسنا من بين الأفضل في مجال معارض الكتب!

كما يشير إلى أن حرص وزير الثقافة المصري –ظاهريًا- على الاستعانة بكوادر شابة أكثر تفتحًا لتنظيم المعرض؛ ربما لن يشكل ذلك تحسنًا في مستوى الخدمة؛ ببساطة لأن النظام الإداري الحكومي لا يعتمد على تلك الكوادر إلا في أمور بسيطة. والكوادر البيروقراطية السائدة تفتقد القدرة على تنظيم هذا الحدث على مستوى دولي بدرجة كبيرة. صحيح أن المسألة أخذت شكلًا أفضل نسبيًا في الأعوام الأخيرة بعد نقل المعرض إلى التجمع بدلًا من مكانه القديم بمدينة نصر، غير أن العقلية القديمة هي التي تنظم لا تزال. وهو ما يظهر جليًا في سعي هذه الكوادر لتقديم أرقام كاذبة ومبالغ فيها فيما يتعلق بعدد المشاركين والحاضرين.

فعندما نعلن عن تقديم 15 مليون كتاب في المعرض بينما لم يصل الإنتاج المكتوب للبشرية كلها منذ اختراع الأبجدية والكتابة إلى يومنا هذا لهذا الرقم؛ فإن هذا خطأ لا يُغتفر. وما يزيد الطين بلة أحيانًا أنه من الصعب معرفة إذا كان الأمر ناتج عن جهل بالأرقام الحقيقية أو عن عدم القدرة على اختيار رقم حقيقي والاكتفاء باختيار رقم عشوائي يبدو مناسبًا، أو هو رغبة في التعتيم على سياق المسألة بالكامل. ومن هنا فلا معنى للقول بأن عدد الزائرين قد تخطى المليون لأن العدد الحقيقي يصل إلى مائة ألف يوميًا وهو رقم لا بأس به في الواقع. المعرض كبير بطبيعته فلا داعي للمبالغة في التقدير وإذا قدمنا أرقامًا دقيقة فهذا في الواقع يضفي مصداقية وكفاءة أكبر على عملنا.

الأمر الذي يجعلنا نفكر حتمًا في حلول مقترحة من وجهة نظر "المعلم"، وفيها لا بد أن نمنح الفريق الجديد الوقت الكاف؛ إذ يعتقد أنه لا غنى عن وجود مؤسسة مهنية متخصصة مستقلة لتنظيم وإدارة المعرض لا تهدف للربح المادي. مهمة هذه المؤسسة القيام بعمل حقيقي لتنظيم معرض دولي جدير بهذا الاسم. وهذا في حد ذاته لا يغفل الدور الهام لأي مسئول، إذا لزم الأمر لإدارة الندوات والحفلات واللقاءات الأخرى. ولكن يبقى الدور الأهم هو التأكد من مستوى ونوعية الخدمة الثقافية المقدمة ومن حسن إدارة المعرض على كافة المستويات والحرص على أن يكون المعرض مكانًا للتجمع الثقافي والفكري يشهد بتطور الكتاب.

وهو ما يثير الانتباه إلى الانتقادات التي توجه إلى الدولة ممثلة بكل أجهزتها المعنية. حيث أن الدولة تريد الإمساك بزمام كل الأمور؛ فتنظم وتستقبل وتتولى النشر ولكن في النهاية لا تفعل شيئًا من كل هذا بصورة متكاملة. فمثلًا، المشاركات الدولية اقتصرت على حضور ممثلين للدول المشاركة من السفراء والمراكز الثقافية الغربية الموجودة بمصر وفي غياب الناشرين والكتاب والعاملين بمجال الكتب في أنحاء العالم الأربع كما يجب أن يكون عليه الأمر.

تحدث "المعلم" بأكثر من مناسبة كما سبق وأشرنا إلى ضرورة تطوير المعرض، وقال عن طريق إنشاء مؤسسة أو هيئة يكون هدفها تطوير عمل المعرض كل عام عما سبقه، وتراعي في ذلك تطوير الثقافة القرائية وتسهيل عملية بيع وشراء الكتاب وتواصل الكتاب والمؤلفين مع دور النشر ومع القراء وغيرها، إلا أن تكون هذه المؤسسة غير هادفة للربح مقدمًا، وهو الأمر الذي يضمن عدم فسادها.

ويقول: الشئ الذي أتعجب منه أن المسئولين، ومديرين المعرض، وغيرهم؛ قد رأوا معرض فرانكفورت، الذي هو معرض العالم للكتاب، عدة مرات، وقد رأوا معرض بولونيا لكتاب الطفل، وهو أجمل معرض، ورأوا معرض لندن، ومعرض باريس، والعرب كانوا ضيوف شرف معرض فرانكفورت، وكل المسئولين العرب رأوا معرض فرانكفورت. ولقد أحضرت بنفسي رئيس معرض فرانكفورت، وكان اسمه دكتور نويمن، وكان رجلًا علامة، وخبيرًا في المعارض، وقام بعمل نقلة لمعرض فرانكفورت، وكان من الناس العاشقين لمصر، والعاشقين للثقافة المصرية.

أحضرت هذا الرجل لوزير الثقافة، وقال له: "إن هذا المعرض لديه من الإمكانيات ما يؤهله لأن يكون معرضًا دوليًا كبيرًا، ونحن معرض فرانكفورت نتعاون مع أناس كثيرين، ومستعدين للمشاركة، والتعاون، ونكون مستشارين، وكل ما تريدونه، وتختارونه، لأن هذا لا بد أن يكون أهم معرض في إفريقيا، وفي العالم".

فماذا كانت الإجابة يا ترى؟ تم تجاهل الأمر تمامًا كما أشار "المعلم"، وهو أمر شديد الحزن حقيقةً، مرة لأن معرض القاهرة يستحق اهتمامًا أكثر من هذا، وكثيرًا لأن مصر، المؤلف والناشر والمبدع والفنان، تستحق أكثر من هذا. الأمر الذي يجعل الحديث من دون طائل ربما، لكنه هام رغم ذلك، لأنه فقط هو ما نملك والبقية تأتي في قبضة الحكومات والمسئولين.

رأي "المعلم" في معرض الكتاب يعكس بوضوح هذه الرؤية المرتبكة للسياق الثقافي المصري، حيث يثير مسألة نشر القطاع العام مقابل نشر القطاع الخاص، بطريقة صريحة وتلفت الانتباه إلى السياق الدولي.

حيث يُقال إن المعرض هو أعظم منجز اجتماعي ثقافي للهيئة المصرية العامة للكتاب. وباعتبار الهيئة منافسًا، على الرغم من كونها ناشر قطاع عام، فهي تنظم الحدث الذي يضع الكتب وباعة الكتب في صدارة العالم العربي، كما لا تجتذب اهتمام الإعلام فحسب، بل عدد متزايد من "القراء العاديين" وترفع بالتالي الزيادة السنوية لمبيعات الكتب في فترة وجيزة. فما الذي يفعله معرض الكتاب على وجه التحديد لعالم النشر؟

صراحة أو ضمناً، فقد يتولى القطاع العام المسئولية المزعومة التي يحتفظ "المعلم"، بصفته ناشر قطاع خاص، بالحق في التخلي عنها، لكن كيف يفي بهذه المسئولية على وجه الدقة؟

هذه هي الأسئلة التي يطرحها "المعلم" بسخرية ثاقبة لكنها محترمة. وهو على استعداد للاعتراف بالإنجاز الكمي للمعرض. كما يقول: ليس هناك مباراة كرة قدم يحضرها مليون وخمسمائة ألف شخص. ليس هناك حدث تتم تغطيته تلفزيونيًا على هذا النحو الكامل، والإحصائيات الخاصة بمشاركة الناشرين والكتب المعروضة والكتب المبيعة والندوات مذهلة. ومع ذلك فإن "الأعداد المتدفقة" سنويًا تترك شيئًا مرغوبًا فيه. وهو ثورة لوجستية وجماعية في الطريقة التي تتم بها الأمور وقد تؤدي إلى "قفزة نوعية" كانت ستحسن الجوانب المادية والمهنية لكل من المعرض وعالم النشر بصورة عامة، حيث تعزز ذلك العالم الذي تعد استمراريته ضرورية للأدب.

ومع ذلك فمازال المعرض بالوضع الذي هو عليه جزءًا مهمًا من عمل النشر ويعتبر ضوءًا إيجابيًا، قائلًا: رأيي بصراحة هو أن عمل النشر في العالم العربي أصح مما يرى الناس، بل أكبر بكثير من التغطية التي يقدمها له الإعلام وهو بريء بصورة عامة من الاتهامات التي توجه له. هناك أعداد أكبر من كتب الدرجة الأولى عن مجموعة رائعة من الموضوعات أكثر مما يُنشر في الإعلام، وإن لم يكن هناك شك في أن العمل مازال بعيدًا عن بلوغ إمكانيتها المثلى ولا ترقى إلى طموحاتنا.

أما بالنسبة للمعرض، فهناك حقيقة جلية؛ هي أن عدد الناشرين والزائرين الذين يحضرونه يشير إلى أنه حدث كبير، لكن لا يمكنك ادعاء أن ذلك يعكس الصورة الكاملة. حيث توجد بعض المشكلات التي يطرحها "المعلم". حيث يتساءل ما هي المشكلات؟ كما تشير الإحصائيات، ليست هناك مشكلات! ومع ذلك نذكر بعض المشكلات التي لا تعكسها الإحصائيات.

يقول: أنشئت أرض المعارض هذه في الستينيات في منطقة كانت بعيدة جدًا وقتها وتحيط بها مساحة خالية. وكان المفهوم وراء إنشائها مقصورًا على تلك الفترة ولم تعد الآن قابلة للبقاء. فكل سراء كأنها مصنع منفصل داخل مجمع مصانع. والمسافة بين المباني ضخمة والسماح بدخول السيارات مقيد بشكل رهيب، والفراغ نفسه لا يتسم بالجمال ولا الوظيفية على نحو يجعله تطبيقًا للأساليب الجديدة لتصميم مساحات المعارض وتشييدها. وعلى الرغم من جهود هيئة المعارض ورئيسها المخلص لتحسين الفراغ وتطويره، تقيد هذه القيود قدراتهم.

أما الهيئة المصرية العامة للكتاب فإنها تؤجر؛ باعتبارها دار النشر الرسمية التي ترعاها الدولة، أرض المعارض كل عام لتنظيم معرض كتاب دولي مهم. وعلاوة على ذلك "هل مسئولية الهيئة هي تشييد ملاحق وأكشاك وتوظيف المهندسين والمصممين والنجارين؟ هذه مسألة ربما تعرض للمناقشة في المستقبل. لماذا ينبغي أن تقوم دار نشر بهذا العمل بنفسها، في ظل حقيقة واضحة هي أنها لا تملك الوسائل لإنجاز ذلك بفاعلية؟ هذه المهام تفوق ما تقدر عليه الهيئة، ولذلك ينبغي أن تكون هناك جهات متخصصة أخرى للقيام به.

يقول "المعلم": هناك إذن ظروف مقيِّدة تحد من مجال ما يمكن عمله. وفي الوقت نفسه ما هو معرض الكتاب؟ إنه معرض للكتب، وهذه وظيفته الأساسية بشكل. أي العرض والتجارة وتنظيم نشر الكتب وتسويقها. ومع ذلك يركز الإعلام على نحو حصري تقريبًا على الندوات، وبهذا المعنى فقط يمكن أن نلومه. تخيل أن مسئول حكومي رفيع المستوى شارك في تنظيم المعرض؛ الإعلام هو أهم شيء بالنسبة إليك، ولذلك فإن ما يوليه اهتمامه على نحو كبير من الطبيعي أن تركز عليه، ويتم تجاهل الجانب المهم الوحيد بشكل غير ملائم.

حتى بالحكم بناء على المعايير الكمية السائدة، أكبر الندوات لا يمكن أن تستوعب أكثر من ألف شخص، فأين انتهى الحال ببقية المليون وخمسمائة ألف؟ ولماذا لا يهتم الإعلام بهم؟ وهذا ما يقودنا إلى النقطة الأخيرة: حقيقة أن الظروف المقيدة التي تحدث عنها تأتي بنوع مختلف من الجمهور. المسافة الطويلة، وعدم الاهتمام والمعلومات والتنظيم حولت المعرض إلى مكان صحي بما يكفي لكنه على قدر كبير من الشهرة لا يمكن لكبار السن والأكثر حساسية بيننا، الذي يشكلون نسبة مئوية كبيرة للغاية من القراء المنتظمين، تحمل ذلك. وهؤلاء الذين يشترون كثيرًا أثناء المعرض لا يمكن أن يكون قراء حقيقيين بمعنى أن القراء الحقيقيين لا يذهبون لشراء الكتب مرة واحدة كل عام، ولا يفضلون هذه البيئة. فالمكتبات موجودة على مدار العام فلم لا يذهبون إليها؟ من ناحية أخرى، لنأخذ في اعتبارنا معرض فرانكفورت الشهير للكتاب (الذي أشار إليه رئيس الهيئة سمير سرحان في حديثه إلى الأهرام ويكلي منذ عدة أعوام، حيث قارن طرق عرض فرانكفورت بطرق عرض القاهرة). مع أن الحدث الأول أصغر ويقام في مدة زمنية أقل فهو حصري بالنسبة للاختصاصيين، وبشكل أساسي الناشرين. هذا ما يأخذنا للحديث عن عرض ضيف الشرف العربي في معرض كتاب فرانكفورت بعام من الأعوام. وعلى عكس التشاؤم السائد، بعد العودة من الزيارة التمهيدية إلى ألمانيا، فقد أبدى رئيس اتحاد الناشرين العرب إبراهيم المعلم وقتها قدرًا كبيرًا من الأمل وقدرًا لا بأس به من الثقة. قائلًا: بكل إخلاص يمكن القول إن هناك أشياء إيجابية كثيرة بشأن العروض الخاصة بفرانكفورت، وأن هناك بعض الأمور السلبية بلا شك. لكن الإيجابيات تفوق السلبيات كثيرًا. ولا أفهم لماذا يكون التصور العام عكس ذلك، من الممكن أن يكون العيب في الصحافة والإعلام ليس إلا. أما بخصوص الميزانية، فإنها قضية صغيرة نسبيًا وتم حلها. حيث لم ينشغل "المعلم" بالتمويل قط، بل إن ذلك كان أقل مخاوفه، على الرغم من أنه لا شك في كون المال أحد العوامل الهامة، فهو لم يكن قط العامل الرئيس. وفي المقابل فقد انشغل بشأن الفشل المحتمل عند الإعداد للحدث، والمشكلات في الطريقة التي تصور بها الناس الأمر وفي محتوى التقديم ومظهره. كنت أخاف ألا يقوم اختيار الكتب على معايير موضوعية، أي أن تكون تبعًا لتوجه النظام الحاكم، وعلى قدر كبير من الرسمية، فتلك هي الطريقة التي تتم بها الأمور في هذا الجزء من العالم. كما كنت أخاف أن يبدأ المشاركون المحتملون التفكير بطريقة معارض الكتب العربية، التي هي أحداث شعبية بالمعنى الأكثر سوءًا لكلمة "شعبية"، وتدور حول مبيعات الكتب وليس أعمال النشر. ومن هان فلايزال معرض القاهرة للكتاب حدثًا بالغ الأهمية. فهو ولا شك معرض كتب رائد في العالم العربي، ليس لإدارته بكفاءة أو تخطيطه بعناية مثلما هو بسبب حجمه. هناك الكثير من الناس في القاهرة ومصر ونتيجة لذلك هناك عدد أكبر من الناشرين والقراء والمؤلفين، وسوق كتب أكبر من أي مكان في العالم العربي. ولا يمكن إنكار إن كل الاهتمام اللازم تقدمه له السلطات. وهو يحظى بقدر هائل من التغطية الإعلامية، وفي كل عام يفتتحه رئيس الجمهورية، أعلى سلطة في البلاد، بنفسه. ومع ذلك فمن المحزن أن الغرض الأساسي من المعرض غالبا ما يُنسى وسط الفوضى – الفولكلور والرقص والغناء والمسرح وغزارة الندوات. وأسوأ شيء هو بُعد العلاقات العامة الخاص بالمعرض، حيث يسعى الناس لتحقيق مصالح شخصية على حساب الحدث. حيث يتم دعوة أناسًا للمشاركة، أو يسعى البعض وراء مسئول بعينه لمجرد أن لديه مصلحة في المكتب الذي يديره، ما يعني أن المعرض بدرجة كبيرة يكون تجمع لتبادل المنافع الخاصة عن طريق الوساطة بمعناها السلبي.

ولا شك أن الكثير من معارض الكتب العربية الآن تحذو حذو معرض القاهرة للكتاب، بسبب نجاحه الواضح. وهؤلاء المسئولون عن معارض الكتب يدمجون سمات القاهرة الإيجابية والسلبية. ولذلك بدلًا من تصور الجدل الفكري أو التفاعل الثقافي، الناس يبدأون في قول أريد أن أحدث إثارة ثقافية وأخلق انفجارًا إعلاميًا بغض النظر عن قيمة ذلك بالنسبة للهدف الأول للمعرض، أي الكتاب. ونتيجة لذلك، اختُزل المعرض في دول عربية كثيرة إلى إطار للدعاية للنظام السياسي. اللافت أن معرض فرانكفورت لا يمكن أن يتسع لهذه الديناميكيات. فهذا أهم حدث نشر في العالم، وهو معرض العناوين الرائد في العالم. حتى قيل على سبيل المثال إن الناشرين الأمريكيين المشاركين في فرانكفورت أكثر من المشاركين في معارض الكتب الأمريكية. وليس هناك مبيعات كتب بالمرة، فقط صفقات حقوق الملكية الفكرية بين الناشرين من كل أنحاء العالم. ففرانكفورت حدث للنشر، وتتاح للمرء هذه الفرصة الضخمة والفريدة والنادرة لتقديم نفسه في ضوء ملاءم، ولذلك سيكون من العار الشديد أن يخطئه أو يفسده. كما أن معرض فرانكفورت للكتاب ليس حدثًا تدعمه الحكومة، بل هو شركة عامة محدودة اتحاد الناشرون في ألمانيا شريك فيها. وهو يُدار لتحقيق ربح كل عام، ويُستخدَم المال لتطوير الحدث وتعزيز معرفة الثقافات العالمية كما ينبغي. لحد أنه إذا كان هناك أي شيء يجسد الوجه الإيجابي للعولمة، وهو الموضوع الذي يبدو أن الخطاب الرسمي العربي مكرس له بشكل كبير، فهو معرض فرانكفورت للكتاب. وسوف يغطي الحدث ما بين 12 و16 ألف صحفي، ولا يشمل ذلك صحفيي التليفزيون وغيره من وسائل الإعلام. ولا يحظى حدث إعلامي كبير، سواء أكان ثقافيًا أو سياسيًا، بتغطية مماثلة. أما بالنظر لمعرض القاهرة؛ فإنه مازال محليًا جدًا. ولا يمكن عقد ندوات في فرانكفورت بالطريقة التي يجري بها ذلك في القاهرة، على سبيل المثال، بتلك الأعداد المبالغ فيها. إذ أن بعض هذه الندوات نفعي بالفعل، غير بعضها الآخر أخلاقي للغاية في واقع الأمر. لكن الغالبية العظمى يتجاوز عدد المشاركين عدد الحضور، حيث تقضي شخصيات ثانوية الوقت في الحديث مع بعضها. هذا غير أن بعض الندوات جرى تنظيمها مع الجانب الألماني، وجميعها خُطِّط لها على نحو معقول، في تناقض صارخ بين تنظيم المعارض في الجانبين. ومن هنا رأينا من الضروري مناقشة الثقافة العربية والفكر الإسلامي، وقد انضم إلينا ألمان وآخرون في اللجان. على سبيل المثال، ترأس "المعلم" وقتها ندوة عن العلاقات بين الناشرين العرب ونظرائهم في الغرب، كما شارك كل من الرئيسين الحالي والسابق لاتحاد الناشرين العالمي. وبالفعل قد اتُخذت الترتيبات لفرانكفورت بجدية شديدة في واقع الأمر، على عكس أحكام الصحافة المسبقة. يحكي "المعلم" أنها كانت عملية طويلة من تبادل الآراء شملت الكثير من العمل الشاق، والتنظيم المعقول، والتصور الكلي الشامل. وقد رأى أن لدينا خطة موضوعة بإحكام لعرض صورة رائعة تسهل الوصول إلى الثقافة العربية قدر الإمكان. في صورة حقيقية بالطبع. ولا شك أن الثقافة العربية لها ماضٍ مجيد، وقد عُرَض هذا الميراث على نحو شامل بالقدر الذي تسمح به حدود المكان والزمان. يقول: بصراحة، كان لدينا ميزة نسبية في هذا المجال وحده، في مخزون التاريخ العربي من المنجزات الثقافية في الفنون والعلوم وغيرها من المجالات الأدبية. ويعيش هذا في الكتب والمخطوطات الموجودة هنا وفي أوروبا ـ وهو شيء يمنحنا أرضًا صلبة نقف عليها، وأساسًا قويًا نبني عليها معرضًا يتعامل كذلك مع الحاضر. والحاضر أحسن مما يتخيله الناس في الغرب، وهذا كذلك أمر نحاول توضيحه. اللافت حسب رأي المعلم، أنه لا يمكننا إدعاء أن حاضر الثقافة العربية يشبه الماضي أو أفضل منه. أحد الأسباب هو أنه بمجرد أن يصل الناس في أي مكان بالعالم إلى هذه القناعة تكون هذه هي نهاية الثقافة في ذلك الجزء من العالم. والأمر الأكثر أهمية ـ عندما قلت ذلك من قبل عارضني الناس لقوله ـ إذا كانت الثقافة العربية على هذا المجد في الوقت الراهن، وإذا كانت الحضارة في أوجها بالفعل، إذن لماذا هزمتنا إسرائيل؟ ولماذا مستويات التعليم على هذا الانخفاض الذي يبعث على الحزن، لماذا الديموقراطية العربية محدودة، لماذا الإعلام والصحافة بهذا العجز، ولماذا ليس لدينا كتب أفضل ونسبة مئوية أكبر من القراء؟ بالأحرى، مازال لدينا ثقافة. هناك مواهب مميزة وناشئة، وهناك أشخاص يستحقون جائزة نوبل في الأدب. وسوف ننشر المعرفة بهؤلاء بالطبع. بالإضافة إلى ذلك لدينا تنوع، وهناك تعددية رؤى وأيديولوجيات وأنماط وجود. نحن نعمل لبيان أن العالم العربي ليس كله تعصب وتقوقع وإرهاب. كما أن إجراءات الاختيار كانت أعقد من أن توصف. فعندما تم التوصل إلى قرار المشاركة، رشحت المنظمة العربية للتعليم والثقافة والعلوم الكتب والناشرين. وقدم مندوب كل دولة قائمة بالأسماء، وقدم الاتحاد ترشيحاته. وقامت اللجان المسئولة بغربلة هذه الترشيحات. قول المعلم: وأنا شخصيًا أعتقد أن الاختيارات في النهاية كانت موضوعية وممثلة لكل أطياف الثقافة العربية؛ ماضيها المجيد، وأفكارنا عن مستقبلها، والاستقلال والموضوعية اللذين تبديهما الآن. واتضح بالفعل أنها تميل بشدة إلى حد ما نحو اليسار، وتلقيت منذ ذلك الحين اعتراضات من الكُتَّاب الإسلاميين، وآخرين، تفيد بأن اختياراتنا لا تعكس واقع الثقافة العربية. إلا أن ذلك يستدعي بعض الأسئلة الأخرى، مثل ما الذي يشكل الواقع بالفعل؟ من الذي يقرر؟ وعلى أي أساس؟ هل هو موافقة الحكومات، أم أرقام المبيعات، أم آراء الأشخاص الجالسين على مقاهي وسط البلد؟ كل من هذه الروافد جزء صحيح من النهر الأكبر نفسه، وكلها ممثلة. ذلك أن الجميع المشاركين في الاختيار، ومن بينهم المعلم، يؤمنون بحرية الفكر وأهمية التنوع والاختلاف. ولذلك فقد حاول تقديم أكبر عدد من المؤلفين والكتب وأوسع مجموعة ممكنة من المادة. لكن حتى إذا كان لديك 5 آلاف مؤلف قدموا إسهامات ذات قيمة للثقافة العربية، فإن عليك اختيار حوالي 150 منهم، لا أكثر. وفي النهاية لديك خمسة أيام فقط، ومساحة ليست كبيرة، ولا بد أن تقيد نفسك بكمية من المواد يمكنك عرضها بشكل مناسب. يقول المعلم: لا يمكنني سوى الامتنان لما لدينا. فقد كان هناك ما يكفي من التخطيط والموضوعية والتفكير المتقدم، وما يكفي من التعاون مع الجانب الألماني، وهو ما يجعلني متفائلًا وكلي أمل في أن نقدم إسهامًا نفخر به. لست أنا فحسب. فقد كان مدير معرض فرانكفورت فولكر نويمان مبهورًا في الأيام القليلة التي أمضيناها هناك، وأعلن أنه مقتنع، بموجب على ما شاهده، أن العرض العربي في فرانكفورت سيكون الأفضل خلال الخمسة وعشرين عامًا الماضية. وعلى الجبهة الثقافية، على الأقل، أداؤنا جيد جدًا. من هنا فلم يتبق مما يجب معالجته بضع نقاط ثانوية. فما هي النقاط الثانوية؟ من المؤكد أن المال أحدها، لكن هل يتصور أحد أن الدول العربية لا يمكنها مجتمعة توفير من 3 إلى 5 ملايين دولار؟ لا أظن أنها عاجزة عن ذلك. فينبغي ألا يكون لاتحاد الناشرين العرب في واقع الأمر علاقة بالتمويل. فليس عملي كرئيس للاتحاد التأكد من تدفق الأموال. فأنا لستُ موظفًا في أية دولة عربية، ولستُ موظفًا في جامعة الدول العربية. الاتحاد جهة مستقلة والحمد لله، ونحن نمثل الناشرين من أنحاء العالم العربي، بغض النظر عن توجههم أو مذهبهم الفكري. وقد يحدث كذلك أن نعرف أمرًا أو أمرين عن معرض كتاب فرانكفورت. لكن من الذي يتخذ قرار المشاركة؟ بالطبع ليس المفكرين، وليس الاتحاد، وليس الناشرين أو المؤلفين الأفراد. لقد اتخذت جامعة الدول العربية قرار المشاركة، ووقع وزراء الثقافة والإعلام العرب، وكذلك وزراء الخارجية، على وثيقة بهذا المعنى. صحيح أننا باعتبارنا ناشرين لا يسعنا سوى الامتنان لهذا، لكننا لن نتحمل مسئولية أخطاء الساسة. كما أنهم لا يمكن أن يخذلونا الآن. وعليه فبدايةً، كان ينبغي عليهم اتخاذ القرار بالاشتراك مع الأطراف ذات الصلةـ المفكرون والكُتَّاب والناشرون. ثانيًا، كان ينبغي عليهم إقامة صلة كافية بين حكوماتهم وفرانكفورت للتأكد من أن الأموال اللازمة ستكون متاحة في الوقت المناسب. هل تتخذون هذا القرار ثم تعجزون عن توفير 5 ملايين دولار؟ هذا ما قاله المعلم بالتزامن مع تلك الأيام. متسائلًا: هل هناك صعوبة في توفير الأموال؟ قد يكون هناك تفسير لذلك. فكروا في الرد على عرض كأس العالم. ليست كرة القدم لعبة اخترعناها أو يمكننا نسبها إلينا، بل ولا يمكننا لعبها على النحو الصحيح. لكن مصر تدفع 80 مليون دولار، والمغرب 70 مليون دولار، وتعلن ليبيا أنها على استعداد لدفع 13 مليون دولار. بعد ذلك يأتي شيء بهذا الحجم، شيء نملكه مجتمعين، شيء خاص بنا ـ إن لم يكن نحن إلى حد ما. وكل ما تقولونه هو عفوًا، لا يمكنني توفير 5 ملايين دولار؟! بالإضافة للتشكيك طوال الوقت في أن المال لن يصل حتى اللحظة الأخيرة. والمحزن أنه يبدو أن هذا هو الحال باستمرار في العالم العربي. لكنه -أي المعلم- احتفظ بالأمل حتى اللحظة الأخيرة. وإن لم يصل فكنا نمارس ضغطًا على تلك البلدان المستعدة لتوفير الأموال لدفع ما يزيد على المبلغ المخصص لها، وفي النهاية سيتحقق النجاح بشكل ما. ولا بد من النجاح. وهو ما رأيناه حين ذهب الكتاب العربي ضيف شرف معرض فرانكفورت الدولي.

ومن هو ضيف الشرف في فرانكفورت؟ إنه الثقافة العربية. الثقافة العربية كلها. والآن سيدرك أي إنسان ذي إحساس بالنزاهة أو الشعور القومي أو الالتزام الثقافي أو أية كرامة سيدرك على الفور أن هذا الأمر لا يتعلق بالحكومات أو المنظمات المفردة. حيث الجناح الرسمي هو المشكلة الأساسية. فاتحاد الناشرين لم يكن راضيًا عن إسهامه؛ لأن القيام بعرض لضيف الشرف وليس هناك شيء في الجناح الرسمي، فسيكون الأمر عبارة عن خدعة مقدمة للناس. ولذلك فنحن نشجع كل الدول العربية، سواء أكانت مشاركة رسمية أم لا. ونحن نشغل مساحة قدرها 1200 متر مربع، مقابل أقل من 100 متر في السنوات السابقة. ومن هنا فقد أتى ناشرون من كل أنحاء العالم العربي، بما في ذلك تلك الدول التي رفضت المشاركة، وعرضت جميعها في جناح جماعي واحد باسم جناح العالم العربي، بغض النظر عن موقف دوله. وفيما يهم الاتحاد هو أن الأعضاء جميعًا مشاركون، العالم العربي كله. والمال موجود، وتمت الاختيارات، وكل شيء تم تجهيزه على أكمل وجه. لكن لم يكن هناك شيء يمكننا عمله بشأن الجناح الرسمي، الأمر الذي جعلنا نبدو سيئين. وكمواطن عربي وكشخص يقرأ، ولو عَرَضا، هل ستكون سعيدًا إذا كان المغرب غير ممثل رسميًا في هذا الحدث؟ وإذا كانت الكويت، التي كانت حريصة على أن يكون لها وجود ثقافي حتى قبل استقلالها، لم يكن لها دور تقوم به على الإطلاق؟ ألن تتوقع أن يكون المال متاحًا في الوقت المناسب وبما يفوق ما هو لازم؟ لكن كان عندي أمل حقيقةً. هذا موقف مضحك ولا يمكن تفسيره. ومن المؤكد أنه ينبغي على الصحافة انتقاد ما يجري، ليس بهدف إعلان الفشل مقدمًا أو السخرية من الإجراءات وإنما الضغط بإيجابية على الأطراف المسئولة كي تدفع، وأن تشارك رسميًا. إنها مسئولية الجميع كي يقوموا بذلك. ببساطة لأنه ليس معرض عمرو موسى أو الجامعة العربية، فهو يخص العرب جميعًا. ولن يهم سائر العالم أو الحوليات التاريخية في المستقبل من كان غاضبًا ممن، أو أي الخلافات أحدث العرض المبتور. هل يُتصور أنه عندما تتاح لك فرصة لتقديم ثقافتك، التي هي أنت، في وقت تتعرض فيه للاتهامات بالإرهاب وبحاجة ماسة إلى الظهور في ضوء مناسب، هل ينبغي أن ترفض المشاركة؟ بالطبع كانت الاحتجاجات من صغار الناشرين مؤلمة إلى حد كبير لكونها لا أساس لها بالمرة. فقد أجرت صحيفة الشرق الأوسط وقتها مقابلة مع ناشرين قالا فيها أشياء لا أساس لها من الصحة ـ إلى حد أننا استبعدناهما. وعندها كاتحاد ناشرين. سواء الاتحاد المصري أو الاتحاد العربي. وعندما أتت مناسبة مثل فرانكفورت فقد اتصلنا بكل أعضائنا، وطلبنا منهم الذهاب والمشاركة. لكننا لسنا وكلاء فرانكفورت، فالناس ليسوا مضطرين للذهاب من خلالنا، وقد كان المعرض مفتوحًا أمام أي ناشر عربي. وما فعلناه كاتحاد هو تشجيع الناشرين الصغار. وقد حصلنا على تخفيض في تكاليف المشاركة، لنجعل بإمكان من لا يمكنهم تحمل نفقات جناح كامل أن يشغلوا جزءًا من جناح، إلى حد رف واحد، لأننا أردنا أن يذهب أكبر عدد ممكن من الناس. وإحدى التهم التي وجهت لـ "المعلم" أنه أعلن أن 150 ناشرًا فقط يمكنهم المشاركة. وما قاله في واقع الأمر هو: تقديري هو أن يذهب 15 ناشرًا. هذا مجرد تقدير، فهو لم يفكر في منع أي شخص من المشاركة. وتشجيعًا للناس على المشاركة تم تنظيم ورشتي عمل. واحدة مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والأخرى مع معهد جوته. لمساعدتهم على فهم ديناميكيات العمل في معرض فرانكفورت للكتاب، وكيفية المشاركة، وكيفية ترجمة عملهم وتقديمه، وكيف يبيعون حقوق الملكية أو يشتروها. الحقيقة هي أننا قمنا بمساعدة أي شخص مهتم بالمشاركة، وإذا كان هناك من يرغب في الذهاب دون التعامل معنا، دون أن يرى وجوهنا، فهذا لا بأس به بالنسبة لنا. لن يغضبني ذلك بأي حال من الأحوال. هذا ما صرح به المعلم وقتها. أما إذا كان لا يمكن حتى بذل الجهد وحتى تكون عضوًا في اتحاد الناشرين، لا أعرف كيف تدعي أنك ناشر جاد. المهم هو أننا لا نريد تضليل الناس، لأنه بالنسبة للناشر الصغير يمكن أن يكون الذهاب مجهدًا وبلا طائل. ومن بين العشرة آلاف كتاب أو نحو ذلك التي نعرضها، الكثير من ناشرين صغار، بل إن بعضها جاء مباشرة من الكُتَّاب. والكتب الوحيدة التي استبعدناها هي تلك التي ليس لها حقوق ملكية، وتلك غير مناسبة بالمرة ـ كالكتب الدراسية على سبيل المثال. وتلك التي تمثل دعاية فجة للقادة العرب. كما أنه من غير المرجح أن تتم مبيعات حقوق الملكية في هذه الدورة، وستكون معجزة إن تمت. ولا يعني هذا أن الحدث أقل أهمية. ما نأمل تحقيقه هو العمل الأساسي، أي الأساس الذي نبني عليه في المستقبل. فالقيام بعمل مربح يستغرق وقتًا. فقد احتاجت دار الشروق عشر سنوات كي تبدأ في بيع حقوق الملكية لكتب الأطفال في أماكن أخرى من العالم، لأن الأمر ليس جنسًا أدبيًا جديدًا أو ناشرًا جديدًا فحسبُ، إنها ثقافة جديدة وأدب لم يكن الناس معتادين على العمل في إطاره. صحيح أن قليلًا من الكتب العربية جرى ترجمتها، لكن تلك التي بيعت في الغرب أقل، وهذا أمر آخر ينبغي أن نأخذه في الحسبان. فحفنة قليلة من المؤلفين العرب باعوا، والقليل منهم لا يكتبون بالعربية في الأساس. والكتب التي يبدو أنها تعجبهم في الغرب غالبًا ما تكون عن المرأة، وغالبًا ما تكون لها شكاوى من القمع الاجتماعي والإحباط الجنسي. وبالطبع هذا جنس أدبي صحيح، ويمكن أن يُكتَب بشكل جيد، لكنه ليس نوع الكتابة الوحيد الذي يجب على العرب تقديمه. أما تعبيرًا عن قناعته يقول المعلم: قناعتي هي أنه سواء في الجناح الرسمي أو جناح الناشرين، ينبغي لنا العمل على استغلال الفرصة التي لدينا باعتبارها نقطة انطلاق ـ ونقدم أكبر قدر ممكن من أدبنا. وما لم نعمل بطريقة حديثة ومنظمة، أو إذا لم نبذل الجهد المطلوب، فلن نحقق شيئًا على المدى الطويل. فكروا في فرانكفورت على أنها حفل افتتاح محل جديد. ليس متوقعًا تحقيق مكسب مادي من ذلك الحفل، بل الواقع أنك تنفق عليه. لكنه إذا جعلك مشهورًا فهذا يعني أنك سوف تكسب المال لاحقًا. وكان لا بد أن نستفيد من الحدث لوضع أنفسنا على خريطة النشر العالمية، ولجعل أنفسنا معروفين لعدد كبير قدر الإمكان من الأطراف ذات الصلة، وإقامة أساس للتعاون والتفاعل المستقبلين. لكن يجب ألا ننسى أن فرانكفورت ما هي إلا انطلاق، وأمامنا رحلة طويلة قبل أن نهبط. بالأخص ونحن لا نزال نؤكد وننادي ونناشد المسئولين بكافة الدول العربي وبالأخص مصر، لأنها وطننا الحبيب، ولأن لها السبق والريادة ثقافيًا ولآلاف السنين وهو ما تستحقه عن جدارة، وهو ما يضع الكثير من علامات الاستفهام حول مؤشرات أداء الحكومات المصرية في العقود الأخيرة، ما تقدمه وما تنتظر أن يعود إليها بطرق شتى وما نأمل نحن وجوده أو الالتفات إليه، وما تعيق به الحكومة مسيرة النشر والتثقيف ببعض قراراتها التي لم تقف في أحيان كثيرة عند مصلحة المثقف والكتاب في آن.

الواقع حسب ما يقول المهندس إبراهيم المعلم في جزئية الكتاب والنشر؛ أنه يرى بشكل أو بآخر أن الحكومة مسئولة كعنصر مساعد، أو كعنصر مُعَوِق في عملية النشر. يتحقق ذلك بالعنصرية لو صح التعبير! بمعنى، الضرورة الحقيقية لفتح باب الحوار المجتمعي الجاد؛ فهذا شئ يرحب به الجميع، وأن الأحزاب القائمة من الضروري للغاية أن تبدي اهتمامها بالثقافة، وبالكتاب، وبالسينما، وبالتنمية؛ فهذا شئ لا مفر منه إذا أردنا الإصلاح الحقيقي، ولا بد أن نشترك فيه جميعًا. وفي رأيه أن كل الأحزاب القائمة في مصر، قوة مصر الثقافية، وقوة مصر الناعمة، وأهمية الثقافة بالنسبة لتنمية الإنسان في مصر، وفي غير مصر؛ أهمية قصوى، لأن أساس التنمية هو الإنسان، وجزء هام جدًا من تنمية الإنسان هو؛ الثقافة، والمكون الثقافي. إذ الشيء المنطقي منذ البداية أن يكون لدى الأحزاب المصرية أوراقًا، ورؤى، وعندها مشاريع، وتطرح للنقاش، والكل يشترك فيها لأن هذا يهم الوطن كله. هذه أمور إيجابية؛ وبها بعض الأفكار التي يجب أن تثار، طبعًا إذا اعتقدنا أن من أهداف المرحلة؛ الإصلاح، والإصلاح الإقتصادي، والإصلاح الشامل، والإصلاح الديمقراطي، وأن كل فعاليات المجتمع تشترك، والمقدمة الخاصة بورقة النشر، والكتاب تكاد تكون قد ابتعدت شيئًا ما عن هذا لأنها ركزت، وانحازت لجزء صغير، كما لو أقول لك أن حركة النشر في مصر بها أربعمائة، وستون ناشرًا، من ضمن هؤلاء الناشرين، ما يسمى بالهيئة العامة للكتاب، والهيئة المصرية العامة للكتاب هذا فكر. هذا فكر من الستينات لا بد أن يتطور، فلا يوجد في العالم كله مايسمى بالهيئة اليابانية للكتاب، أو الهيئة الكورية للكتاب، أو الهيئة الإيطالية للكتاب، أو الهيئة الكذا للكتاب! وعندما أريد أن أتحدث عن الكتاب في مصر، وعن النشر فأقول أن الهيئة العامة للكتاب قد زادت انتاجها من مائة وتسعة، إلى مائتين، وخمسين كتابًا؟ حسنًا؛ هناك بعض الناشرين يخرجون ثلاثمائة، وأربعمائة كتاب! حتى أن عدد الكتب التي تصدر في مصر حسب إحصاء دار الكتب الأخير هو إثنين، وعشرين ألف عنوان، فتأتي أنت لتركز، وفي المقدمة على أحد الناشرين الذي ينتج مائتي كتاب فقط من الإثنين، وعشرين ألفا. كما أنه وفي معرض حديثه قد أوضح أمرًا، وقد تبدو هذه المسألة شكلية إلى حد ما، إذ في كل قطاع يتم الحديث عن إنتاج الدولة، وإنجاز الدولة في هذا المجال؛ فبما أن هذه المؤسسة مرتبطة بالدولة؛ فلربما تم التركيز عليها. أما الدولة حقيقةً تعني كل الناشرين، وكل الكتاب، وكل المثقفين وكل الأحزاب. حتى لو بدا أن هناك اختلافًا فكريًا، إلا أن الأرضية الواحدة هي التي تمنح حق المشاركة. كذلك من المهم أن يكون توجه أي حزب من الأحزاب متسق مع بعضه، وأن لا يكون هناك في جهة ما هو منفتح، وإصلاحي، وحر، ويأتي لجانب آخر، ويكو فكره قديمًا عمره خمسين سنة ، وفي نفس الوقت أتكلم عن مصر، أتكلم عن الدولة، بل أتكلم عن مصر كلها، فعندما أتحدث عن وزارة بعينها، فهي وزارة الكل بما فيه القطاع العام، والقطاع الخاص، والقطاع الفردي، والمستقل، والمعارض، والمؤيد، والكل؛ فلا أتحدث عن جهة، وأترك الجهة الأخري، لأنني لو دخلت، وتناولت الموضوع من هذا؛ فكأنني حصرت نفسي، وكأنني كحزب، أو وزارة أخص هؤلاء، ولا أخص الآخرين، لا هذا لا يجوز لأنك تقوم بالتخطيط للجميع؛ فلابد أن ينعكس هذا تمامًا في وجهة النظر. وبالطبع سينعكس هذا في نقطة أخرى؛ لتكون الصورة كاملة أمام المشاهد، يعني في هذا الجزء أيضًا هناك إشارة إلى مكتبة الأسرة، والقراءة للجميع، وحضرتك تعرف أن هذا البرنامج قائم بشكل أساسي على القطاع الخاص، وعلى المكتبات الخاصة. ولوقت طويل كان هناك مكتبة الأسرة، وشعارات القراءة للجميع؛ وقد اشترك فيه المجتمع المدني، واشترك فيه كل ناشرين مصر جنبًا إلى جنب، وأنا ما زلت أتعجب لماذا أبدأ بناشر واحد، وناشر حكومي، وأبدأ كأنه الأساس، وأقول أنني فعلت كذا! وأقول أنني فعلت هذا كدليل للتقدم، وهو ليس دليلًا لشيء آخر. وبالطبع، إذا تحدثت عن حالة الثقافة العامة في مصر، فلا بد أن تتحدث عن الكل، كما تتحدث في السينما أيضًا، لا بد أن تتحدث عن كل السينما، ولا تتحدث عن فيلم واحد، قامت وزارة ما بإنتاجه، لا بد أن تتحدث عن قطاع السينما ككل، ومن أجل ذلك سآتي إلى نقاط مهمة، بالغة الأهمية، هناك واجبات على الحكومة؛ فمن ضمن الأشياء التي ذكروها؛ إنني أريد أن يصل الكتاب إلى جميع ربوع مصر، وهذا شيء مهم جدًا، وأنا أقول: لا بد أن يصل إلى كل أنحاء مصر، وأن يتاح للجميع، وليس فقط طبعات رخيصة؛ وإنما؛ مجانًا. والسؤال عن كيف يصل مجانًا؟ ببساطة وكما أشار المعلم بأكثر من موضع؛ عن طريق المكتبات العامة. وهذا واجب جميع حكومات العالم، وربما لو عرفنا ميزانيات المكتبات العامة نعيد تفكير في هذا الأمر؛ فبلد مثل أمريكا؛ كل سنة تضع خمسة عشر ألف مليون دولار للمكتبات العامة لتشتري كتبًا؛ لكي يستطيع زائر المكتبة أن يقرأ، ويطلع، ويستعير، ليس بأي ثمن؛ وإنما مجانًا، واليابان حوالي ستة مليارات، وإنجلترا وغيرهم. وكل بلاد العالم. ولقد وضعوا هدفًا، كان من الضروري أن يحدث منذ زمن، وأن يحدث سنويًا، وهذا واجب الحكومة أن تخصص ميزانية تليق بمصر والمواطنين المصريين. حيث أن مصر ثقافيًا قوة كبرى؛ فالثقافة، وتصدير الثقافة؛ هي من مكانة مصر، وتشجع باقي الصادرات، الكتاب المصري في العصر الحديث هو أقدم صادرات مصر، وأكثرها انتشارًا، لأننا نصدر الكتاب المصري ابتداء من 1954 م. ومن هنا يحاول "المعلم" أن يتحدث عن أشكال الدعم، ومنها دعم طباعة الكتب المدرسية، بما لا يخص البعض دون البعض الآخر به. ومنه فعندما تقول الحكومة أنها ستنشر سلاسلًا معينة من الكتب، وتقوم بنشرها أقل من الإقتصاد، فإن هذا يضر بالصناعة كلها، لأن بعض دور القطاع الخاص ربما تنشرها أيضًا وربما بشكل أفضل كثيرًا، لأن العلم، والثقافة، والإبداع؛ ليس هناك حكومة في العالم لها يد مباشرة في ذلك أو يد منافسة بالأحرى. هذا ما تحدث عنه المعلم، هو يريد أن يصل الكتاب مجانًا عن طريق المكتبات العامة، وأن يكون لها ميزانيات، وأن يكون للمكتبات العامة حرية اختياراتها الخاصة؛ فتشتري من الكل، وليس الخاص فقط، تشتري من الكل، وعندما تقول أنني كحكومة أريد أن يصل الكتاب رخيصًا؛ فأدعم الكل، حين أريد أن أدعم الترجمة؛ فلابد أن أدعم الكل، وليس عندما أريد أن أدعم الترجمة؛ فماذا أفعل، أقوم بعمل جهاز للترجمة، وأقوم ببناء مبنى، وأشتري سيارات، وأوظف موظفين، وأعطيهم المبالغ؟! ومن المهم الإشارة أيضًا إلى الخطورة الحقيقية المتمثلة في التعليم، فإذا لم نرتفع بمستوى التعليم؛ فكلنا في خطر بكل شئ، والتعليم هو أحد أساسياته المدرس، والمنهج، والكتاب، لا بد أن يوجد في الكتاب. وهذه الفكرة قد طرحت أيضا للنقاش، طباعة الكتاب، وتأليف الكتاب، لا يجب أن تكون حكرًا على ما نسميها مؤسسات الحكومة، أو المؤسسات الأساسية. بمعنى أنه من المهم وجود منافسة بين الأفراد. ولا بد أن يكون هناك دور للقطاع الخاص في هذا الأمر، وله عائد اقتصادي، فكلنا بالفعل نتحدث عن بعض الكتب في سنغافورة، أو هونج كونج؛ تنتج كتبًا مدرسية معينة منتشرة في كل دول العالم كـ ( تيكست بوك )، وكانت في مرحلة سابقة، الكتب المدرسية المصرية تصدر إلى الدول العربية المختلفة، فأريد أن أقول أن هذه الفكرة أيضا مطروحة للنقاش. على المسئولين بناء على رؤية "المعلم" أن يطرحوا هذه الأفكار بشفافية، وتوليد سياسة واضحة، بها عدالة، وفيها منافسة لصالح القارئ، ولصالح الطالب، ولصالح مصر، في أن يصله أفضل كتاب، وأحدث كتاب، وأيسر كتاب بأحسن سعر، والمنافسة الحفيقية العادلة بالنسبة للكل هي التي ستخلق التقدم. لأن هذا مهم على أكثر من محور، وأهمها هو تصدير الثقافة، وعندها فإن الآخر البعيد سوف يتقبل فكرك، ويتقبل سياستك، وريادتك، وذلك بالفعل، وليس بالإدعاء، وفي نفس الوقت تصدير الثقافة يشجع باقي الصادرات؛ لأنني عندما أشاهد فيلمًا؛ أكون على استعداد لتقبل أي شئ منك؛ غير أن من يقبل ثقافتك سيحب زيارتك! مع التأكيد بالفعل على حقوق الملكية الفكرية؛ فحين نقول أننا نريد تطوير الكتاب المدرسي، والكتاب المدرسي هو محتوى، فلا بد لوزارة التربية، والتعليم أن تكون على علم بأن هذا المحتوي سيتم دفع ثمنه، لكن أن تقوم بعمل مسابقة، وتقول بأن من يحصل على صفر هو الرابح، فما معنى ذلك؟ سوى أنك تريد تقديم أحسن المؤلفين، وأحسن رجال التربية، وأحسن الفنانين، ويقوموا بعمل كتاب، وفي النهاية، يحصل على صفر! ومعناه أنك غير جاد، وأنك لا تحترم الملكية الفكرية، ولا تحترم المحتوى، ولا تريد أن يحدث تطوير، في نفس الوقت عند إنتاج أفلام سينمائية، أو من لا بد له أن يشجع؛ هو الحكومة المصرية، أن أشتري الفيلم بما يحفظ للجميع حقوقهم، لأنني أريد أن أقوم بعمل نهضة، وانتعاش، وهناك مشروع جديد قد تم الإعلان عنه، أنه سيكون هناك مراكز تجارية في مصر كلها، لابد أن يكون في كل مركز من هذه المراكز التجارية؛ جزء ثقافيًا. من هنا لا بد أن يكون هناك ميزانية لدعم الصادرات، ولا بد من ميزانية تدعم الصادرات؛ تطبق على تصدير الفيلم، وتصدير الكتاب، وتصدير المنتجات الثقافية، لأنها مثل باقي الصادرات؛ إن لم تكن أهم منها.

يقول المعلم: نحن كناشرين مؤمنين أنه يجب أن تكون للدولة مواردها، وهي تحقق جزءًا من هذه الموارد عن طريق الجمارك ورسوم المبيعات المفروض على مستلزمات انتاج الكتاب من ورق إلى أحبار إلى زنكات إلى أفلام إلى ماكينات. وفي رأيى أنه لكي تحصل الدولة على إيراد أكثر وتستفيد بدرجة أكبر يجب عليها أن تلغي هذه الرسوم التي تفرضها على بداية النشاط. لأنها تؤثر بالسلب على كثير من الدول العربية والمجلات العربية التى بدأت تطبع في مصر فقد هربت كلها بسبب "شوية " رسوم ودمغة إعلانات ولو أن الحكومة قامت بإلغاء هذه الضرائب والدمغات وحصلتها في نهاية النشاط كضريبة أرباح تجارية وصناعية والتي تؤخذ بنسبة 32 و ٤٠٪ لزادت مواردها وتضاعفت أضعافًا كثيرة من جهة، ولازدهر النشاطين الثقافي والإبداعي وكذلك القراءة وبناء الإنسان وتصدير الكتاب. وهو ما لم يحدث بطبيعة الحال؛ إذ أن كل شىء لا يزال كما هو للأسف، فنسبة الجمارك وضريبة المبيعات والرسومات على مستلزمات الإنتاج تصل إلى 90 مليون جنيه سنويًا وهذا يعوق التصدير ويقلل حصيلته، كما أن خسارة الدولة بسبب عمليات تزوير الكتاب المصري لا تقل عن 70 مليون جنيه سنويًا. وهذه بالطبع أرقام مخيفة حسب ما أفاد المعلم. ولعلنا لن نذهب بعيدًا لو قصصنا هذا الأمر؛ يحكي المعلم أنه منذ عدة أعوام حدث له موقف قد نلمس منه كيف تفكر المؤسسة الرسمية في "الثقافة" وكيف تتعامل معها، يقول: وصلني خطابًا من أحد الوزراء المصريين بقرار مجلس الوزراء تشكيل عدد من اللجان تختص بحل مشكلات التصدير وطلبوا مني الاطلاع على اللجنة المخصصة لنا باعتباري رئيس اتحاد الناشرين وقتها، وفوجئت بأن هذه اللجنة في المرتبة الثالثة عشرة من الاهتمامات، بل وإنها كانت مخصصة لدراسة مشاكل الحلي والمجوهرات والمصوغات اليدوية ومتنوعات أخرى، هذه المتنوعات الأخرى هي بيت القصيد حيث يدخل الكتاب من بينها، فما كان مني إلا أن أرسلت خطابًا لذلك الوزير أشكره فيه على هذا الاهتمام "بالثقافة"! متمنيًا أن تشغل مكوناتها -كالفيلم والكتاب – درجة أعلى في أولويات المسئولين، وتلقيت ردًا شفويًا بالموافقة ومازلت أنتظر حتى الآن! وبالفعل، قدم المهندس إبراهيم المعلم الكثير من الاقتراحات إلى جميع الجهات المختصة والكثير من الأوراق تقدم بها بعض الناشرين لأعضاء لجنة الثقافة في الحوار الوطني وتبنوها. وقد أثيرت موضوع مشابهة في مرات أخرى بمعارض الكتاب أو أي نشاط ثقافي آخر. وأثاره المعلم بنفسه أمام المسئولين الذين يكتفون غالبًا بإبداء الاهتمام فقط، من دون أي تحرك فاعل. كما يتم تقديم وعود واهية بالبحث والدراسة، ولا يحدث أي شيء في المقابل.

يقول المعلم: زمان عندما كُنا صغارًا، ونحن نسمع عن مجموعة من المشاكل تثار موسميًا، مع إطلاق دورة جديدة لمعرض الكتاب؛ يحدثونك عن الجمارك، الرقابة، سوء التنظيم، التواجد الأمني الزائد عن اللزوم، والزحام، وتظل عملية إعادة الملل، وتجويد الملل تتكرر كل سنة بنفس القضايا؛ دون أن نرى تغييرًا. أريدك اليوم أن ترسم خارطة طريق للخروج من هذه الأزمات. معرض القاهرة هذا؛ هو معرض بالغ الأهمية؛ لأنه أكبر، وأهم حدث ثقافي عربي، وإسلامي، وليس في مصر فقط؛ بل في العالم، بحكم أنه في القاهرة، والقاهرة هي؛ العاصمة الثقافية الحقيقية للثقافة العربية، وللثقافة الإسلامية، والقاهرة مدينة كبرى، وعدد سكان القاهرة عدد من أكبر أعداد السكان في العالم؛ فكونك تقيم هذا المعرض سنويا في القاهرة؛ فقد حققت له أنه معرض لا ينافس، ولا يبارى، كمكانة، وكموقع تاريخي، وجغرافي، وبالمناسبة؛ فإن من مميزاته أن الدولة ممثلة بأعلى سلطة فيها؛ فرئيس الدولة حريص منذ سنوات طويلة؛ على أن يفتتح المعرض بنفسه كل عام، وهذا يؤدى إلى وجود تغطية إعلامية رسمية، ومستقلة، وأيضا لا تنافس، وأيضًا بدأ عدد كبير من الدول العربية؛ يقلدنا في ذلك، كل هذه ميزات لمعرض القاهرة، وأكبر عدد من الزوار، وأكبر عدد من القراء، والحدث الشعبي الوحيد الذي يأتيه في اليوم؛ أكثر من مائة ألف؛ بمختلف الأعمار، بمختلف تخصصاتهم، بمختلف طبقاتهم، بمختلف اهتماماتهم .. يعني لو أن هناك ماتشا للكرة؛ سعة الإستاد القصوى 67 ألف، وليس مائة، ولا مائة، وعشرين ألفا كما يقولون، ومن يذهبون؛ هم فئة عمرية محددة، قادرة على الذهاب؛ فلا يذهب الأطفال الصغار، ولا الشيوخ الكبار الغير قادرين، ويذهب الناس محبي الرياضة؛ محبي كرة القدم؛ إنما معرض القاهرة يزوره يوميًا؛ أكثر من مائة ألف، ممكن أن يكون واحدا من بداية سن الأربع سنوات؛ يريد كتابا للأطفال، أو شيخا كبيرًا يريد كتابًا طبيًا، أو يريد مرجعًا؛ فيه كل أنواع العلوم، والمعارف، كتاب الطفل، لكتاب الطبخ، للسياسة، للتاريخ، للكتب الأجنبية؛ فجميع الكتب، وجميع الإهتمامات، وجميع التخصصات موجودة. ولا يستطيع أحد أن ينكر هذا الكنز بين يدينا، والعالم يتطور، ويقفز، ورأينا معرض فرانكفورت، ومعرض بولونيا، ومعرض أمريكا، وحتى معرض الصين التي تتبنى نظاما شيوعيًا، وهناك آليات حديثة لإمتلاك المعارض، لتنظيم المعارض، للدعاية للمعارض، لتقديم الخدمات لزوار المعرض، لطريقة اجتذاب المهتمين، لأنك في النهاية؛ هناك فرق بين السوق، والمعرض. فالسوق هو سوق للبيع للناس، الدول كلما زادت تقدمًا ثقافيًا؛ لا يكون أي معرض للبيع للناس، لأنه من المفروض أن يكون فيه قراء، والقراء يقرأون طول العام، لا يوجد قارئ يقرأ أسبوعًا، ويظل باقي السنة بلا قراءة، ولما معناها يقرأ طول العام؛ فإنه يقرأ عن طريق وسيلتين، الأولى: أن يشتري كتبًا من المكتبات الموجودة في كل أنحاء بلده، إما الحجة التي يقولون عنها؛ أن الكتاب غالي الثمن، فلا يريد دفع مليم واحد! أما الثانية: فهي أن يستعير، ويدرس، ويطلع في المكتبات العامة المنتشرة في كل بلده، وفيها كل الكتب الحديثة، والقديمة جنبا إلى جنب، فإذا كان طول العام يريد أن يقرأ دون أن يدفع مليمًا واحدًا؛ يذهب لمكتبة عامة؛ يقرأ، يذاكر، يستعير، وإن أراد الشراء؛ فيذهب للمكتبات المنتشرة في بلده، والمفروض بالنسبة للمعرض؛ طبقا لإتحاد الناشرين الدولي لكي يكون المعرض معرضا دوليًا؛ ما هو؟ رقم واحد، لا توجد رقابة لا قبل، ولا بعد، لا يوجد. كما لا بد أن يكون هناك يومًا على الأقل؛ إلا أنهم يفضلون ثلاثة أيام؛ للمحترفين فقط، من هم المحترفين؛ يعني؛ الناشرين، المؤلفين، الفنانين، وكلاء الأدب، أمناء المكتبات، أساتذة الجامعات؛ الناس الذين؛ مهنة الكتاب، ومهنة النشر؛ هي مهنتهم، معرض للمحترفين ليلتقوا، فيتبادلوا الخبرات، ويطلعوا على الجديد، ويقوموا بشراء، وبيع حقوق الملكية الفكرية، يشتروا، ويبيعوا الكتب، وينقلوها، ويقوموا بعمل صفقات شحن كتب، صفقات طباعة، وصفقات تأليف مشترك، تأليف، وتوزيع. كل هذه الأمور هي عمل المحترفين؛ ليكون المعرض؛ معرضًا للكتاب. ولكن بسؤال كيف يكون المعرض دوليًا؟ يشير "المعلم" أنه عندما يكون كل الناشرين عرب، يكون معرضًا عربيًا، إنما ليكون معرضًا دوليًا؛ فهناك تصنيفًا، إذ أن معرض دولي كبير؛ لا بد أن يكون فيه حوالي خمسمائة ناشر أجنبي، وإذا كان معرضًا متوسطًا؛ لا بد أن يتواجد به من مائتين، إلى مائتين وخمسين ناشرًا أجنبيًا، وإذا كان معرضا دوليًا صغيرًا؛ فلا بد من تواجد حوالي مائة ناشر أجنبي؛ هذا ليــكون معرضًا دوليًا. وهذا لا يحدث بطبيعة الحال! نحن سوق هام جدًا للكتاب، بتنظيم قديم غير عصري، وغير جذاب، وغير متطور، والمفروض أن يتطور أفضل من ذلك سنة بعد سنة. هذا يعني أننا لا نقيم معارض دولية، غير أن كل المعارض التي تقام في العالم العربي؛ تسمي نفسها معارض دولية! بما فيه معرض صنعاء. كأي مستشفي يسمونها المستشفي التخصصى الدولي؛ بينما عندما تذهب لأكبر مستشفي في العالم؛ يقولون عنها عيادة كذا، أو عيادة كذا؛ بينما أنت تقول؛ المستشفي الدولي التخصصي! أليس كذلك؟! كأنه معرض، وكأنه دولي! لكنك حتى السوق؛ لا بد أن تحسن خدماته، لا بد للقارئ الذاهب للشراء من السوق؛ أول أن يدخل؛ أن يعرف خريطة المعرض، أن يعرف أين يركن سيارته، أو أين يذهب بأتوبيسه، أن يعرف إن اشترى كتبًا؛ كيف سيحملها، أن يعرف أن هذا الكتاب؛ أين سيوجد في أي أجنحة، أن يعرف أنه عندما يريد أن يأكل، أو أن يشرب، أو أن يقعد، أو أن يحتاج لدخول دورة المياه؛ فأين سيدخل، أن يعرف أنه عندما سيدخل؛ لن يشم أتربة، أهكذا، أم لا. وهذا ما كنا نعاني منه كثيرًا بالأخص قبل الانتقال بمعرض القاهرة إلى مكانه الجديد بالتجمع الخامس. يقول المعلم: وبحكم مسئوليتي؛ أنا لا أسكت، وأقول على المسئولين عن تنظيم المعرض تحسينه بهذه الطريقة، ونديره بهذه الطريقة، ولا أسكت، وأقوم بعمل كل الطرق، ما بين دبلوماسية، وما بين مواجهة. ضرورة التطوير تأتي من باب أنه لديك أناس في العالم؛ تحبك، وتحب تاريخك، وتحب حاضرك، وتحب ناسك، وتحب شعبك. وهذا ما حدث في أحد المعارض وكان ضيف الشرف هو رئيس معرض فرانكفورت الدولي، رجل مثقف، ورئيس أهم معرض في العالم، ومحب لمصر، وأتى وقال أن معرض فرانكفورت مستعد أن يشترك في التنظيم مع معرض القاهرة؛ ليكون معرضًا دوليًا كبيرًا، ويكون معرض إفريقيا الأول بدون منافس؛ لأنه يستحق ذلك. وإذا كانت هناك مشكلة؛ فإنه مستعد شخصيًا؛ أن يكون مستشارًا لنا مجانًا؛ لأن معرض القاهرة لا بد أن يتطور هذا التطور، وقلنا نعم، لكن هناك أناس لا يريدون لذلك أن يحدث. فأنت عندما تقول أن من ينظم المعرض؛ وزارة الثقافة، والأخيرة تحضر الهيئة العامة للكتاب، والهيئة العامة للكتاب لها ظروف، ولها ملابسات، ولها رؤية. والمشكلة؛ تحدث عندما تكون حريص على أن الهيئة العامة للكتاب، وهي ناشر حكومي أنشئ في الستينيات بفكر مختلف عن الفكر الحالي. بدليل أنه في لندن، وأمريكا، لا نسمع عن الهيئة الفرنسية العامة للكتاب، أو الهيئة الإيطالية العامة للكتاب! لا يوجد شئ مثل هذا. الهيئة الكورية العامة للكتاب، الهيئة السنغافورية العامة للكتاب. لا يوجد شئ هكذا. وهو ما يفجر سؤال من الذي يحل محلها في أداء وظائفها؟ يقول المعلم: الهيئة العامة للكتاب؛ أولًا عليها أناس أفاضل بكل تأكيد، لكننا لو أتينا على معرض فرانكفورت، وهو شركة مساهمة ما بين إتحاد الناشرين الألمان، واتحاد موزعي الكتب الألمان، وهي شركة مساهمة لا تبغي الربح، إنما تحصل أرباح، الربح وظيفته؛ شيئين، تطوير المعرض، وتحسينه عامًا بعد عام، وجزء منه لتشجيع الدول الصغيرة؛ أن تشترك، وتأتي لأنه ليس لديها إمكانيات. الأمر الذي يعود ضبطه وتطويره على زيادة الإقبال على القراءة، من أجيال جديدة من الشباب الجميل المشجع الذي يبعث على الأمل ، ويقرأ في الكثير من الأشياء، يقرأ في الأدب، ويقرأ في التاريخ، ويقرأ في السياسة، ويزور المكتبات، ويقوم بعمل مقابلات جماعية، ويحضر ندوات، ولقاءات مع القراء، ويقومون بعمل مواقع على الإنترنت؛ ليتبادلوا التعليق على الكتب؛ ففيه بداية نهضة، ورواج، وفيه تفجر موهبي عند كتاب الرواية في مصر مما يبعث على السعادة، والأمل، وليس صحيحًا أنه في القديم كان أكثر؛ فلم يعرف قديمًا؛ لأنه لم يقم أحد بالقياس؛ فقديما عندما قيل أن القراءة كانت جيدة، كان يصدر في مصر؛ بما فيها الكتب المدرسية في أوائل القرن العشرين؛ ستمائة، أو سبعمائة كتاب، أما الآن فعشرون ألف؛ فما وجه القياس إذا. مما يبعث على الأمل في الحياة؛ ما يدفعنا أن نتكلم على أنه أخيرًا صار لنا اتصال ببعض القضايا ذات الإهتمام الكوني في موضوع الثقافة، وموضوع الكتاب على وجه التحديد. ويحكي "المعلم" أنه تقدم بالترشح ليكون نائب رئيس الإتحاد الدولي للناشرين في أكتوبر سنة 2008 م، وتولى هذا المنصب بدأً من 2009 م، ومن وقتها صرنا نسمع حضورًا أكثر إلحاحًا في وسائط الإعلام، وكلامًا عن قضايا مثل؛ الملكية الفكرية، وحقوق الملكية الفكرية، أو نتكلم عن الكتاب الإلكتروني مثلًا وغيرها من القضايا الهامة. الأمر الذي ظهرت نتيجته أيضًا في حضور عربي ضمن معارض دولية مثل فرانكفورت ومعرض لندن وغيرها من المعارض الهامة وكان التمثيل العربي فيها مشرفًا للغاية. كما كان من نجوم تلك المعارض؛ الأستاذ بهاء طاهر، والأستاذ علاء الأسواني، وخالد الخميسي، والدكتورة رضوى عاشور، وهؤلاء كانوا نجومًا، ليس فقط المشاركة العربية، المصرية؛ بدليل أننا بعد هذه المشاركة؛ بدأت تتزايد ترجمات الأدب العربي إلى اللغات الأخرى، وكان عندنا قبل ذلك اثنين فقط؛ وصلوا لترجمة أربعين لغة، هما؛ الأستاذ نجيب محفوظ، والأستاذ محمد حسنين هيكل، أما حاليًا لدينا الأستاذ علاء الأسواني، والأستاذ بهاء طاهر، والأستاذ جمال الغيطاني، وغيرهم. ولا أريد أن أنسى. فقد وصلوا تقريبًا لأكثر من عشرين لغة مترجمة لكتبهم، ناس مثل خالد الخميسي؛ قد ترجم لعشر لغات، دكتورة رضوى عاشور، تترجم كتبها لعشرات اللغات، ومريد البرغوثي كتبه تترجم، وبدأت الترجمات لا تكون للدور المخصصة لتشجيع أدب إفريقيا وكذا، لا؛ فقد بدأ الناشر الأجنبي يكون من أكبر ناشرين العالم؛ في أمريكا، وفي بريطانيا، وفي إيطاليا، وفي فرنسا، وفي ألمانيا؛ فيهتمون بالأدب العربي، ويقومون بترجمته.

يرى "المعلم" أن لدينا ميزة كبيرة وهي وجود قوى ناعمة، ولدينا ما يجعل من مصر قوة ثقافية عظمى، لو عملنا بشكل صحيح، ولو أدركنا بشكل صحيح، ورقم واحد؛ لو فهمنا حقيقة ما معنى صناعات إبداعية، وحقيقة معنى دور مصر، وما هي إمكانياتها، وما تمتلكه في هذا المجال، ولو أنني حكيت لك عن أنني كنت ذات مرة في مكتبة الكونجرس منذ حوالي اثنى عشرة سنة، وقتها كان الرجل يحدثني عن الملكية الفكرية، وقال لي: إنهم يفكرون في عمل مؤتمر للدول المصدرة للثقافة، وكان هناك عدد من الدول، وكانت في العشر دول الأوائل؛ مصر كانت رقم سبعة، على أساس أن مصر تصدر ثقافتها، وأن ثقافتها تصدرها على الأقل للعالم العربي، والعالم الإسلامي، وكان رأي الرجل الأمريكاني مدير المكتبة وقتها؛ أن دور مصر الثقافي أهم من دور ألمانيا، واليابان؛ لأن ألمانيا، واليابان دول مصدرة للتكنولوجيا، أكثر منها مصدرة للثقافة؛ بينما مصر مصدرة للثقافة، وكان رأيه للأسف أننا غير مهتمين بأنفسنا، وغير مهتمين بدورنا! ومن المفارقات اللافتة حسب ما يقول "المهندس إبراهيم المعلم"، أن الوزير الوحيد في مصر الذي فهم ما تعنيه الصناعات الإبداعية، وأهميتها في التصدير؛ هو الوزير رشيد محمد رشيد، وقد كان هناك ما يسمى المجالس التصديرية، ودعم التصدير؛ فقرر أن يشجع معرض القاهرة، ولكي يتحول إلى معرض، وندعو الناس، وخصص ميزانية؛ واحد وعشرين مليون جنيهًا، طبعا المعرض لم تتم إقامته، والواحد والعشرين مليون جنيهًا؛ ذهبت إلى غياهب الحكومة المصرية، وبعد ذلك المعرض لم يحدث فيه أي شئ! ولعل الانتهاء من سؤال النشر في مصر إلى سؤال أكثر أملًا وحيوية وربما قدرة على النجاة؛ نقصد السؤال عن القوى الناعمة الإبداعية التي من شأنها أن تسهم في إزاحة الكثير من علامات التخلف والرجعية والجهل، كما من شأنها أن تنقل مصر وأي بلد آخر –إن أراد- من كبوته إلى مكانة أفضل، وصورة أجمل. وهي النقطة التي نستطيع الانطلاق منها؛ لنبدأ حديث أكثر خصوصية على لسان "المهندس إبراهيم المعلم" صاحب أهم دار نشر مصرية وعربية (الشروق)، وصاحب رؤية شديدة الالتماع والإدهاش في تحويل صناعة الكتاب والفنون والصحافة من مجرد أداءات لتقديم سلعة بمقابل مادي، إلى قيمة أكبر وأجل بالفعل؛ كونه يرى الأمر من زاوية أوسع كثيرًا، باعتبار أن الكتاب ليس رافد مهم للثقافة فحسب، بل كقوة لا يستهان بها في مقاومة هذا التخلف الحضاري بكل ما يختلج الكلمة من معانٍ دالة ومؤلمة في الوقت نفسه.

ولم يعد يخفى على أحد كما أشار رائد نشر الكتاب العربي "إبراهيم المعلم" إذ بالفعل هناك وسائل بديلة؛ لكنها لا تعتني بهذا الجانب الإبداعي أحيانًا؛ الإعتناء الذي يخلق الوعي، والحركة النقدية التي تتيح للقارئ معرفة ماذا يدور في العالم، وماذا يريد أن يعرفه، وماذا يريد أن يخبره، حجم المساحات المتاحة في العالم العربي كله للكتاب، وللفكر الجديد، وللإبداع والعرض، والنقد؛ قليلة جدًا جدًا؛ سواءً في الصحف، أو في التليفزيون. وهو ما بحثه كثيرًا كرئيس لاتحاد الناشرين العرب؛ وسعى إلى ذلك، وفي كل بلد ذهب إليه، حاول أن يلتقي مع وزراء الإعلام ورؤساء التحرير؛ يرجوهم، أن المساحات المتاحة للثقافة عمومًا، وللكتاب خصوصًا؛ لا بد من زيادتها، وأن يكون هناك تيسير كبير للإعلام، والإعلان عن كل جديد في الكتب العربية، والعالمية. الأمر الذي يثير نقطة في غاية الأهمية من حيث توفير الكتاب بأسعار مناسبة. أي توفير طبعات شعبية من الكتب! يقول المعلم: لو نظرنا إلى الخارج فسنجد أن الكتاب الفاخر هو الكتاب ذو الورق المصقول، والذي يصل وزنه لأكثر من مائة جرام، وذو تجليد يسمى؛ تجليد أفرنجي، تجليد فني، وجاكت، وهذا يتراوح سعره حوالي ال ستون دولارًا أو أكثر. أما بالنسبة للكتاب الشعبي في أمريكا سعره حوالي أربعة دولارات وهو كثير قياسًا على مقابل الدولار الواحد من العملات المحلية مع الأسف. ويكون نفس الطبعة الفاخرة، لكن على ورق أقل. النقطة أن الكتاب العربي؛ لا نستطيع معه أن ننتج الكتاب الفاخر، فننتج كتابًا شبه شعبي، لكن يحكمنا في ذلك أن الورق معظمه مستورد، والأفلام، والأحبار، وماكينات الطباعة معظمها مستورد هي الأخرى من الخارج؛ فلا سيطرة لنا على التكلفة، بالعكس معظم الدول؛ هناك جمارك، وضريبة مبيعات على كل هذه المستلزمات، وتشكل تكلفة عالية؛ فبدلًا من دعم الصناعة، نزيد أحيانًا من الارهاق اللاحق بالناشر والقارىء على حدٍ سواء. ما يجعل على الأقل؛ من ضرورة عدم الإفراط في هذه الأمور، والحل الحقيقي هو في تقليل الجمارك، والمصاريف، وفي الإكثار من المكتبات العامة، فالمكتبات العامة ستؤدي إلى تحقيق هدفين: الأول: ستتيح المجانية للقارئ. الثاني: ستحسن اقتصاديات الكتاب، وبدلًا من أن تكون الكمية المطبوعة ألفًا أو ألفين؛ ستكون عشرة آلاف، أو خمسة عشر ألفًا؛ وبالتالي يقل السعر.

تجربة ناجحة بالفعل لأن هناك دعمًا من الحكومة، وعدد من الوزارات، كلها قامت بالدعم، وأوصلت للقارئ عددًا هائلًا من الكتب، ولذلك في إتحاد الناشرين؛ كان قرارنا بالإجماع؛ في اختيار أحسن ناشر في عام من الأعوام؛ السيدة سوزان مبارك؛ عن مشروع مكتبة الأسرة، بسبب أن هذا مشروعًا يسعى بالفعل إلى تيسير أكبر عدد من الكتب؛ لأكبر عدد من القراء، وذلك في إخراج جيد، وسعر مناسب، يغطي كل أنواع العلوم، والتنوع في مجالات المعرفة، مع الإحتفاظ بالسمات الأصيلة في حضارتنا، وفي نفس الوقت هناك احترام لحقوق المؤلف، والناشر؛ فليس بحجة أن هذا كتاب شعبي؛ يتم هضم حق المؤلف، كما أن هناك بداية تعاون بين القطاع الخاص، والعام؛ لذلك يمثل بالفعل نهضة في الإتجاه الصحيح. ولعل القارىء قد يتعجب من الانتهاء أثناء الحديث عن اتحاد الناشرين العرب، بحديث عفوي/ بسيط تمامًا عن مكتبة الأسرة في تجربتها الجيدة، وهي جيدة لأنها مثال ممتاز من حيث الفكرة، حتى لو طال التفيذ بعض التقصير وبعض النقاط السلبية التي لا بد من أخذها في الاعتبار جيدًا، ولأنه من الضروري جدًا تجديد الأمل وتجديد المشروع وإلحاقه بمشروعات مشابهة في كافة الدول العربية. والآن ننتقل إلى حديث أكثر خصوصية عن اتحاد الناشرين المصريين وعن الكتاب المصري أيضًا بكل شئوونه وهمومه في الوقت نفسه.
>